سيرة منسية من ذاكرة الفن المصري

Tuesday, April 05, 2005


Stairs of illumination Posted by Hello

Monday, April 04, 2005

Sunday, March 13, 2005

Sunday, March 06, 2005

Wednesday, February 09, 2005

سلسلة القوى الخفية


هي خلاصة للغوص في بحار عدد من العلوم والفلسفات الشرقية والغربية، بعضها يضرب في القِدَم إلى أبعد عهود الحضارة، وبعضها
يدين بالفضل إلى أحدث اكتشافات معاهد العلوم الماورائية الحديثة
 Paranormal Sciences .
كنت قد عكفت طوال تسع سنوات، هي الفترة من عام 1996 وحتى 2005 على جمع ودراسة كل ما يتعلق بالتراث الغيبي في العالم، و قد وفقني الله للعثور على مصادر موثوق بها، تنوعت ما بين كتب ومخطوطات محققة وغير محققة، على الرغم من تشتتها وتبعثرها بين دور الكتب والمتاحف والمكتبات العالمية، كما تيسر لي الاتصال بعدد من الباحثين وكبار الكتاب المتخصصين في هذا المجال، لم يدخروا وسعاً في سبيل إمدادي بالمعلومات ومصادر البحث في هذا الحقل العلمي الوعر والمثير في آن .
كما كان للتجربة العملية أكبر الأثر في تحويل الجانب النظري إلى مبتغاه الأساسي – فالمحك الحقيقي لأي نظرية هو الجانب التطبيقي منها – حيث مارست بنفسي عدداً من الرياضات النفسية والذهنية والبدنية، التي ساهمت في شحذ طاقاتي، ومن هذه الرياضات: "هاتا يوجا
" Hatha Yuga ،
" راجا يوجا " Raja Yuga ،
 " كونداليني يوجا " Kundalini Yuga
 و" الأوتوترينينج " Auto Training أي ( تدريبات الشحن النفسي الذاتي المولد للطاقة ) .
وقد آثرت أن أبث بعضاً من ثقافة هذا المجال في المكتبة العربية لعدة أسباب، من أهمها :
1- إفادة أكبر عدد ممكن من القراء عن طريق نشر هذا اللون من المعرفة ذات الفائدة الكبيرة .
2- اللحاق بركب المكتبة الدولية في هذا المجال، الذي أصبحت تؤلف فيه ملايين الكتب والنشرات والدوريات، وتؤسَّس من أجله المعاهد والمعامل ومراكز التدريب والعلاج على مستوى العالم، في الوقت الذي ما زلنا فيه للأسف الشديد خارج نطاق الركب العالمي، وتكاد المكتبة العربية تخلو من الدراسات الجادة الرصينة في هذا المجال، فيما عدا المؤلفات المعتادة والتي لا يتعدى معظمها في نظري مجال الإثارة وقصص الخوارق وأدب الخيال العلمي !
3- العودة بهذه العلوم والفلسفات إلى ما يليق بها من رصانة الكتابة العلمية، محاولةً لتخليص مفهوم "العلوم الغيبية" و"العلوم الماورائية " من اشتباكات ومغالطات الجهل، التي خلطت بينها وبين ألاعيب الدجالين وحيل السحرة، وهو الأمر الذي أدى للأسف – إلى جانب أسباب اجتماعية واقتصادية أخرى تخرج عن نطاق هذا الكتاب – إلى استشراء خطورة هذا القطاع الجاهل من المشعوذين الذين يتاجرون بجراح الناس، ويبتزون أوجاعهم وأحلامهم، بل وينجحون أحياناً في اختراق عقول المثقفين !
وقد آليتُ على نفسي أن أشرع بعون الله في كتابة سلسلة من الدراسات، التي تغطي المجالات المختلفة لعوالم القوى الماورائية تحت مسمى "سلسلة القوى الخفية"، بحيث تصدر تباعاً في هيئة كتب مسلسلة، لكل منها عنوانه وموضوعه الخاص، الذي يسبر جانباً من موضوعات هذا العالم الخفي .
و لما كنت أتمنى لهذه السلسلة أن ترى ذيوعاً وانتشاراً بين كافة طبقات القراء والمثقفين، فقد قمت بتخليص نظريات هذه العلوم من التعقيدات الفلسفية – وبعضها موغل في الصعوبة – كما حصرت كلاً منها في موضوعه ميسراً، مقدماً خلاصتها للقارئ دون تهافت في التبسيط، ليتمكن الجميع من الاستفادة منها على تنوع مستوياتهم التعليمية والثقافية .
ياسر منجي
القاهرة في 20/12/2004

كلمة لابد منها
الكتابة في مجال الخوارق و العلوم الغيبية مغامرة محفوفة بالمتاعب – لاسيما في مجتمعاتنا الشرقية – لعدة أسباب جعلت من رواد هذا المجال - القديم والحديث في نفس الوقت – هدفاً مستمراً للسخرية والشكوك والهجوم، وفي أحسن الأحوال الشفقة المشوبة بالتندُّر و التفكُّه .
ومن أهم هذه الأسباب المتعددة :
1- أن مجال العلوم الغيبية – كما يتضح من اسمه – يختص بهذه الفئة من العلوم والطاقات التي تنتمي إلى مجالات وحقول وترددات فائقة من الطاقة، يتعدى مداها قدرة الحواس البشرية على الإدراك، ومن ثم فهي تمر بها مرور الكرام، دون أن تعيرها التفاتاً، إلا في الحالات التي تكون هناك ضرورة ملحة لإحداث اتصال بين الوعي البشري وبين الأنواع المتعددة لهذه القوى والطاقات .
ولما كان الإنسان عادةً قد تعلم منذ طفولته ألا يثق إلا بما تمليه عليه حواسه، بما تلمسه وتشمه وتراه وتسمعه وتتذوقه من آثار العالم المادي، فقدَ إنسان العصر الحديث عشرات من الحواس التي كان يتمتع بها أسلافه البشريين، من أبناء الحضارات السابقة، الذين أصبحت تفصلنا عنهم عشرات الآلاف من السنين، والذين تفهموا جيداً طبيعة هذه القوى – كما سوف نرى – بل وطوعوها لبناء حضاراتهم التي مازالت معظم أسرارها المذهلة عصية على الشرح والتفسير .

2- اعتماد مناهج العلوم التجريبية على المشاهدة وتسجيل النتائج، التي تتحقق مادياً ومعملياً، مما صبغ عصرنا الحديث بأكمله بهذه الصبغة المادية، وذلك نظراً لتغلغل العلم التجريبي وتطبيقاته "التكنولوجيا" في حياتنا المعاصرة بشكل كاسح، فأصبح اعتماد الناس حالياً في غالب نشاطات حياتهم على الأجهزة والآلات، التي ساهمت في إخماد عدد كبير من الملكات والمهارات التي كان يتطلبها الاعتماد على قدرات الإنسان، مما جعل بعض الدراسات النفسية تتنبأ بفقدان الإنسان لمعظم ملكاته في عصر قريب، بتأثير التقدم المريع للتكنولوجيا. ومما دعم الأمر أن العلم الحديث بمناهجه السابقة الذكر – والتي لا ينكر أحد فضلها رغم ذلك في تيسير سبل الحياة – قد أثر في طريقة تفكير الإنسان المعاصر ذاتها، فنتج عن ذلك عدد من المفاهيم و الجمل الشائعة، التي تشيع في قطاع المثقفين، ثم لا تلبث بقية قطاعات المجتمع أن تتلقفها منهم لترددها ترديد الببغاوات مثل: "أنا إنسان متعلم، لا وجود للغيبيات"، أو "أنا مثقف، التفكير الغيبي تفكير متخلف"، فماذا يقول هؤلاء إذن إذا عرفوا – كما سوف تقرأ – أن كبريات معامل ومعاهد البحث العلمي الغربية قد فتحت مجالاً لدراسة واكتشاف هذا المجال (المتخلف!)، واعترفت به واعتبرت أن طاقاته هي بمثابة طاقات لم تكتشف قوانينها بعد؟!!
3- سيطرة الجهل والتخلف لحقبة طويلة على مجتمعاتنا الشرقية، لعدة أسباب، من أهمها الاستعمار الذي رزح الشرق تحت نيره فترات طويلة، من قِبَل مستعمرين وغزاة و(فاتحين) شتى، ما بين صراعات لأمراء المماليك في مصر والشام، واكتساح عثماني واحتلال أوربي... إلخ، مما ساهم في تكريس طباع التواكل والقدرية واللجوء للغيبيات في أسوأ صورها، ممثلةً في الاستعانة بالجن والعفاريت و التبرك بأضرحة الموتى، واللجوء للسحرة، واعتبار البلهاء والمعاقين ذهنياً من أولياء الله الصالحين. كل هذا التراث الأسود طغى للأسف على مفهوم عوالم القوى الغيبية، وطبعها بطابعه في أذهان القطاع الأكبر من أبناء الشرق، مما جعل الباحث فيها مجبراً دائما على شروح مطولة، يوضح فيها الفرق بين ما يبحث فيه من علوم رصينة وبين ألاعيب الحواة والدجالين .
و يثور الآن سؤال هام لابد منه، وهو: هل البحث في العلوم الماورائية مما يتعارض مع مفهوم الغيب كما يعنيه الدين؟
الإجابة المباشرة على هذا السؤال تتضح من الحديث الشريف الذي ورد بصحيح البخاري والذي نصه :
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير" ( 1 ) .
هذه الأصول الخمسة للغيبيات، التي لا يجوز أن يدعي أحد المقدرة على الإحاطة بها، أو التنبؤ بما سوف يكون من شأنها، وهي كما نرى لا تدخل من قريبٍ أو بعيد في نطاق ما تنوي هذه السلسلة أن تبحثه، فنحن لا ننوي – معاذ الله – أن نصدر مصنفات تسفه من قيمة العقل، أو تتعارض مع أصل من أصول العقيدة، إنما الهدف الأساسي، كما سبق وأشرت، هو الأخذ بطرف من أسرار علوم وفلسفات اكتشفت في أسرار الكون قوانين أودعها الله فيه. هذه القوانين انتبه إليها عباقرة من الأسلاف، الذين أسهموا في بعث وازدهار الحضارة عبر العصور، بعضها اندثر بفعل الانهيار الدوري المعتاد للحضارات، وترك البعض الآخر بصيصاً من الإشارات والرموز التي كانت بمثابة علامات دالة، ساهمت في بعث هذه العلوم وإعادة كشفها من جديد، وهو الأمر الذي يسير فيه الغرب الآن بخطى حثيثة .
وربما يلتبس الأمر على البعض نتيجة لاستخدام لفظ "العلوم الغيبية" للإشارة لهذه العلوم، مما ينتج سوء الفهم والخلط بينها وبين مفهوم "الغيب الديني" في ذهن القارئ، ولتوضيح ذلك أقول: إن ذلك من قبيل الدلالة الاصطلاحية، بمعنى أن كلمة "غيبية" هي عبارة عن مصطلح، يطلقه البعض على هذه العلوم والظواهر نظراً لطبيعتها "الخفية" أو "الكامنة"، ونظراً لأن قوانينها لم تكتشف كاملةً بعد، فهي ما زالت في رحم الغيب .
والمشتغلون بالبحوث الأكاديمية يعلمون معنى المصطلح تماماً، فالكلمة الواحدة قد يكون لها معنى ما في القاموس، ثم تستخدم استخداما دارجاً مغاير في المعنى من قِبَل رجل الشارع، ثم قد تستخدم استخداماً ثالثاً مختلفاً تماماً كمصطلح دال في علم من العلوم، وهذا هو ما ينطبق تماماً على لفظة "غيبية"، التي تستخدم كمصطلح من قِبَل علماء الدين، يدل على ما سبقت الإشارة إليه من علم يختص الله سبحانه وتعالى بمعرفته ويقصره على ذاته الإلهية و لا يشرك فيه أحداً من عباده .
و للابتعاد عن هذا الخلط تماماً فسوف أستخدم اصطلاح "العلوم الماورائية" للدلالة على ما أعنيه من هذه العلوم ذات المجالات الخفية من الطاقة، كما أفضل استخدام مصطلح "القوى الخفية" رغم ما يحويه من ظلال مثيرة للخيال .
ثم إن القصص القرآني لا ينفي أبداً إمكانية أن يتمتع بعض البشر بميزات وقدرات تمكنهم من اختراق عوالم القوى الخفية، واجتياز مسالكها الوعرة، بل إن بعض الآيات تنص على ذلك صراحةً، فيقول سبحانه وتعالى :
(( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدُنّا علما (65) قال له موسى هل أتَّبِعك على أن تُعَلِّمَن مما عُلِّمتَ رُشدا (66) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تُحِط به خُبرا (68) قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أُحدث لك منه ذكرا (70) )) . الكهف 65- 70 .
فالآيات الكريمة السابقة تحدثنا عن لقاء سيدنا "موسى" عليه السلام بأحد الناس، الذين وصفهم الله تعالى بوصف [عبداً من عبادنا]، فلم تنص الآيات صراحة على أنه رسول أو نبي، بل هو إنسان كغيره، غاية الأمر أن الله تعالى آتاه [رحمةً] و[علمه من لدنه علما].هذه
الرحمة وهذا العلم جعلاه يستحق بجدارة أن يقوم بدور الأستاذ لواحد من أكبر الأنبياء والرسل، وهو "موسى" عليه السلام، بل وليستأذنه "موسى" في الصحبة، فيشترط عليه ذلك العالم شروطاً حتى يصحبه، ثم يكون من أمرهما ما تنص عليه باقي الآيات من أحداث يتمكن فيها هذا العبد العالم أن يهتك أسراراً ماورائية، يتصرف بموجبها تصرفات قد تبدو للوهلة الأولى غير عقلانية، وذلك طبقاً لحكم الحواس العادية و(التفكير المنطقي)، ثم نكتشف في ختام الآيات أنها هي عين العقل وعين المنطق، طبقاُ للقدرات التي أتيحت لهذا العبد العالم، والتي تصرَّف وفقاً لها .
والكتب المقدسة على اختلافها تحتشد بمئات من الآيات والنصوص، التي تصرح بأن الكون غير مقصور على هذا النطاق الضئيل، الذي تتعامل معه حواس البشر بشكل اعتيادي، بل إنها تدل صراحةً، في أكثر من موضع، على أن هناك عوالم متعددة ذات قوانين و طاقات وظواهر وأحداث تتجاوز قدرة التصور البشري .
والآيات سالفة الذكر كثيرة، لدرجة أن حصرها يخرج بنا عن نطاق هذه المقدمة وموضوعها، ولكن نتوقف هنا عند إحدى آيات سورة الذاريات، والتي تصرح :
(( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" الذاريات (4") .
وهو الأمر الذي يسري على كل شيء في الكون، بما فيها المادة ذاتها، فالكون المادي يتضمن الطاقة بشتى صورها، المعلومة والتي ما زالت في طي المجهول، بنفس الشكل الذي يتضمن به المادة بصورها وعناصرها المختلفة، فالعالم إذن عالمان أو زوجان: عالم المادة و عالم الطاقة .
 * * * *
(1) صحيح البخاري ، دار الكتاب اللبناني ، الجزء الرابع ، ص 71 و أيضا ص 99 .

Sunday, January 30, 2005

خطوط نقدية حمراء2

خطوط نقدية حمراء
(2) تجليات المعرفة الباطنية في [خيميائي] "باولو كويلهو "
الأداة السحرية كمحرك لفعل الإشراق
د. ياسر منجي

______________________________________
(أ‌) – مفتتح الدائرة: من الحلم إلى الحجرين عبر الساحرة والملك .
الراصد لسيرة الأديب اللاتيني "باولو كويلهو" وتقلباته الحياتية خلال مشواره السابق على تفرغه التام للإبداع الروائي، لابد وأن تستوقفه ملاحظة انخراط الأديب المذكور في نشاطات تتعلق بممارسة السحر ومحاولة استرفاد القوى الغيبية، عن طريق انضمامه لإحدى الجماعات المشتغلة بهذا المجال في إنجلترا .
والحقيقة أن هذا التوجه له ما يبرره على مستويين :
الأول: تلك الصبغة النفسية التي تسود كنمط عام يميز سلوك المبدعين، بصفة عامة، في انكبابهم الزائد على سبر أغوار الخفي واقتفائه والمَتحح من رموزه ومَجالِيه في نواتج إبداعاتهم الخاصة .
الثاني: هذه التركيبة شديدة الخصوصية التي تطبع بمَيْسِمها نفسية "باولو كويلهو"، والتي أفرزت تناقضاً على المستوى الظاهري لسلوكه الخاص، الذي يصفه بنفسه على أنه: "ربما حار أهله بسلوكه غير المعتاد، نصف خجول، نصف استعراضي، ورغبته في أن يكون "فناناً"، شئ اعتبره كل فرد في عائلته وصفة تامة للانتهاء إلى منبوذ اجتماعي أو الموت بؤساً) (1) .
وبرغم وقوعه فريسة للأزمات النفسية، مما استدعى علاجه في "مستشفى الدكتور إيراس في ريو دي جانيرو" لثلاث مرات متعاقبة خلال الأعوام 1965، 1966، 1967 على التوالي، فإن أديبنا فيما يبدو كان أصلب عوداً من المتوقع، بل ومقاتلاً من الدرجة الأولى، حيث لم تكِلّ يداه من الطرق على أبواب المجهول الكوني، علها تجود بما يبل صدى نفسه الحائرة، فكان أن انضم كما سبق إلى إحدى الجمعيات الإنجليزية المشتغلة بفنون السحر، منتمياً في الوقت نفسه إلى جماعات "الهيبيز"، ثم منتهياً إلى مؤمن كاثوليكي متفرغ لإبداعاته الأدبية .
هذا الزخم من الخبرة الحياتية، مضافاً إليه عقلية طُلعة منفتحة على ثقافات العالم، جعلت من مفردات العالم الغيبي في بعده السحري أدوات مِطواعة في متناول قلم "باولو كويلهو"، مفجرة سياقات جمالية ومعرفية تُحيل إلى فضاء الأسطورة والخرافة والحكمة القديمة، مما يثير عبقاً دسماً لا يخطئه المتذوق لفن "كويلهو " .
ًإلا أنني في طرحي هذا أسمح لنفسي بالذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، فأنا أزعم أن هذه المفردات الغيبية – خاصةً ما كان منها منتميا إلى فضاء السحر بمعناه الطقسي – تلعب دوراً أساسياً بوصفها دوافع أولية محركة لفعل السرد في أعمال "كويلهو"، بل ومطورة لذات الفعل، مما يسمح بإمكانية استخلاص نسق بنائي كامل، يتحكم في تطور السرد وتتابع الحدث ونمو الشخصيات .
وكنموذج تطبيقي فقد آثرت أن أنطلق من النص الشهير [الخيميائي
 ] The Alchemist
 وذلك لعدة أسباب: أولها وأظهرها ارتباط النص في نسقه الحكائي بشخصية الخيميائي/ السيميائي. ثانيها إسهاب "كويلهو" في استرفاد الممارسات السحرية والسيميائية بمحمولاتها المادية والمعرفية، مستعيناً بمحورية المعرفة السيميائية وصياغتها لعوالم أبطال النص .
وربما يكون من المنطق أن نبدأ بمدخل ذي صلة بمفهوم السيمياء كما يفهمها المعنيون بالغيبيات، وكما صاغ "كويلهو" نصه على هدي هذا المفهوم :
( تعني كلمة "شم" أو "كم" اللون الأسود في اللغة المصرية القديمة، ولأن مصر أرضها سوداء، فقد جرت العادة على استعمال الكلمة عند وصف مصر. ويذهب كثير من العلماء إلى أن مصر مهد الكيمياء، ولهذا أُطلقت الكلمة اشتقاقاً من كلمة "كم" أونسبةً إليها. ويتبع رأي آخر ما كتبه " تزوسيموس
" Zosimus
 ، وهو كاتب من "بانوبوليس" عاش في القرن الرابع الميلادي، ويقول الكاتب المذكور إن مخترع الكيمياء كان رجلاً يدعى "شيمس " Chemes
 وأنه ألف كتاباً أسماه "شما" أو "كما" منذ عهد سحيق، ساعدته فيه بنات الناس اللائى تزاوجن من الملائكة الذين هووا ) (2) .
( وكانت صناعة الكيمياء قديماً تقوم على أساسين: البحث عن شجرة الحياة أو شجرة المعرفة، وقد مزجوهما في شجرة واحدة، ثم حجر الفلاسفة ) (3) .
تلك الإحالة إلى المنشأ المصري للكيمياء القديمة "السيمياء"، وهذا الحصر في سعي علم قديم إلى حيازة منبعي الخلود والثروة – شجرة الحياة وحجر الفلاسفة – يجدان صداهما في دوافع الرحلة التي خاضها الراعي الشاب "سانتياجو" بطل [الخيميائي]، والتي بشروعه فيها فإن فعل السرد يبدأ في الانفجار، مفتتحاً دائرة عَودها على بدئها في ذات نقطة الانطلاق – مدينته الوطن – ولكن شتان ما بين البدء و العودة؛ فبدء الرحلة يتم والبطل لما يتفتح وعيه بعد، فهو ما زال في طوره الغفل، فما أشبهه بالمادة الغفل لمعدن اعتيادي يوشك أن ينصهر في بوتقة خيميائي محنك، يروضه عبر سلسلة من الأحوال والأفعال حتى تتوهج طينته وتتخلص من خَبَثها وتصل إلى فورانها الأقصى، فما يعتَم أن يلقي إليها بنفحة محسوبة من سر حجر الفلاسفة، فتشهق الروح في غمرة المشاهدة، ويتسلخ الفؤاد عن طوره الغشيم إلى كينونته العارفة بالفعل، بعد أن كانت قيد المعرفة بالإمكان .
إلا أن "كويلهو" لا يقنع فقط بالإطار المعرفي الدال والموحي لنسق الرحلة/ الطواف في الحج/ المعرفة الباطنية الذوقية/ التحول الخيميائي من الخبيث إلى النفيس، لكنه وبقوة يشرع في اتخاذ تدابير إجرائية، تضمن دوام واستمرار فعلَي التدفق/ التطور لكل من الشخوص و الأحداث على حد سواء، وهو ما يمكن تتبعه فيما يلي :
1- إدراك الراعي الشاب – على المستوى الحدسي – أن وعيه ما زال مدرجاً في أكفان الغفلة، هذا الإدراك يأتي مشفوعاً بنزوع لاستكناه الدلالة السحرية للأحلام، كعامل للتفسير والإيعاز بالفعل معاً، وهو ما تسوقه الجمل الدالة: (كانت العتمة لا تزال سائدة عندما استيقظ، تطلع إلى أعلى ورأى من خلال السقف نصف المحطم نجوماً تتلألأ. وفكر لنفسه: "كنت أود أن أنام فترة أطول" كان قد عاوده نفس الحلم الذي رآه في الأسبوع السابق، ومرة أخرى استيقظ قبل نهاية الحلم ) (4) .
(وبدأ الشاب يدهش للأفكار التي تنتابه، واكتشف أنها غريبة. ربما كانت الكنيسة التي تنمو في داخلها شجرة الجميز مسكونة بالأشباح . أيكون هذا هو السبب في أنه قد رأى ذلك الحلم نفسه مرة أخرى ) (5) .
أتوقف هنا للحظة عند دلالة رمز الشجرة النابتة فوق هيكل الكنيسة، وما يتضمنه من مزاوجة بين شجرة الخطيئة المسيحية، وهي ذات الشجرة التي تتخذ مظهراً معرفياً وسرمدياً في المفهوم الخيميائي، والتي بعد أن يتم تفتح الوعي في ختام رحلة "سانتياجو" تكون هي ذاتها مناط الرحلة ومخبأ الكنز .
ذات الكنز الذي اختتم فعل القص – والمكون من عملات ذهبية أسبانية قديمة، وأقنعة ذهبية توحي بغزوة أسبانية لإحدى حضارات أمريكا الوسطى – يحيل إلى بداية القصة حين يحكي الفتى كيف بدأ كراعٍ: ( لم يضف الأب شيئاً إلى ما قاله، وفي اليوم التالي أعطى ابنه صندوقاً يضم ثلاث عملات ذهبية أسبانية قديمة. قال لولده: هي عملات وجدتها ذات يوم في أحد الحقول) (6) . ها نحن أولاء أما دائرة أخرى تبتدئ بذهب من نفس نوعية الذهب الذي تختتم به، الذهب الذي صاغ "سانتياجو" راعياً، هو ذاته الذي توج نجاحاته طوّافاً في الآفاق ومطمئناً بالمعرفة، وهو ذاته المعدن الذي ينتظم جهود الخيميائيين في سعيهم لإتقان حرفة [التحولات]. ثم تأتي هذه الإحالة العرضية إلى مصدر الذهب في كل من عطية الأب ولقية الكنز، فكلاهما يحيل إلى حضارات أمريكا الوسطى التي ألهبت خيال الفاتح الأسباني "كورتيز" لغزو "مونتيزوما" في عقر ما تبقى من مجد مهيض، لنهب ذهب حضارات السحر والأسطورة، حضارات الضحايا البشرية والثعبان الريشي، حضارات "إنكا"، و"أزتك"، و"مايا " .
هذا الوعي الحدسي الذي يدغدغ رغبة الرحلة في نفس "سانتياجو" كان من الطبيعي أن ينتهي إلى محض خاطرٍ من الخواطر التي تجوس بخيالات الشباب المبكر، ما لم يعمل "كويلهو" على تطويره إلى حيز الاستشراف :
2- و ذلك بدفعه إلى سياق القصة، بشخصية ذات صلة بعين الوجود الغيبي، ممثلة في عجوز غجرية قارئة للكف، تكفل هي الأخرى استمرار النسق الدائري للأفعال؛ فهي تظهر في بداية القصة بوصفها مفسرة للحلم ومحرضة على الإخلاص للرؤيا، وتظل كامنة في الوعي حتى تطل برأسها مرة أخرى في مختتم الدائرة، مطالبةً بحصتها الضمنية في كنز "سانتياجو". إن هويتها السحرية تطفر عبر المونولوج الذي يسوقه "سانتياجو" في جلسته قبالتها ليحكي حلمه: (وكانت الشائعة الرائجة أن الغجري شخص يقضي حياته في خداع البشر، وقيل أيضاً أن بينهم وبين الشيطان عهداً) (7) .
إن العجوز في ظلال هذا المفهوم تعمل في اتجاهين متعاكسين: فهي من جهة عامل مثير للفضول بِوَكزِه للوعي في اتجاه الحلم، ومن جهة أخرى هي عامل مثبط، نظراً لسوء السمعة اللصيقة بها. هذا التعارض يلقي بالتبعة كاملة على الاختيار الحر للشخصية المنوطة بالصراع – "سانتياجو" – وفي ذات الوقت يدفع بالبطل إلى معاناة إدراكه لإمكانية تطوير الذات، بخوض رحلة مجهولة المعالم .
3- ثم يعمق "كويلهو" من الدلالة السحرية في اختياره لوجهة الرحلة – أهرام مصر – بكل ما تمثله مصر وأهرامها من تداعيات سحرية وغيبية في العقلية الأوربية، ترتبط بسحرة مصر القديمة والتراث الغيبي الذي يحوم حول علم الهرميات
 Pyramidology
 . ولكي يحافظ "كويلهو" على شحنة الغموض المفترضة في مثل هذه الإحالة، فإنه لم يتطرق طوال تدفق السرد في الرحلة إلى استقصاء العنصر المكاني بتفصيلاته، فظَل المكان بمثابة حضور لفظي لا يتعدى ذكر الاسم – مصر، الأهرام، أهرام مصر – فالمراد هنا هو الإيعاز لا التقرير .
4- ثم ما يلبث عامل التحريض أن يتخذ تحققه الأقصى في الظهور المفاجئ للشيخ الغريب العربي، والذي يواصل طوال استمرار السرد اقتسام ملامحه وسماته مع شخصيات أخرى – بائع الحلوى والخيميائي – مواصلاً دوره التحريضي والإرشادي لضمان اكتمال الدائرة ومن ثم اكتمال وعي الشخصية واكتمال التفاعل من أجل الترقي. في البداية تعمل هذه الشخصية من خلال عامل تشكيك في المسلمات الاعتيادية التي اصطلح معظم البشر عليها في سياق علاقاتهم بمفاهيم كتبهم السماوية. فغالب الناس يمارسون كسلاً فكرياً بشكل لا يسمح حتى بالنظر من زوايا مغايرة، مما انعكس بالسلب على الشروح الخاصة بالكتب المقدسة، والتي تصر في غالبها على تقديم صور من الجبر والمصائر المقررة سلفاً نمُقصيةً عامل الإرادة للأبد، مما يكرس للقدرية والتواكل، وهنا يظهر المفهوم المغاير للسحر في بُعده الإجرائي (السحر قائم على ثقة الإنسان بأنه يستطيع السيطرة على الطبيعة مباشرةً، إذا عرف فقط القوانين السحرية التي تحكمها، هو في هذا قريب من العلم. الدين والاعتراف بالعجز الإنساني في بعض الأمور، يرفع الإنسان فوق المستوى السحري، وفيما بعد يحتفظ باستقلاله جنباً إلى جنب مع العلم الذي انهزم أمامه السحر) (8). يجد هذا المفهوم تحققه فيما يلي: (تفحص العجوز الكتاب من جميع جوانبه كما لو كان أعجوبة وهو يقول: هه هذا كتاب مهم ولكنه ممل للغاية... واصل العجوز حديثه: هو كتاب يتكلم عن الأشياء نفسها التي تكاد تتكلم عنها كل الكتب الأخرى، أي عن عجز البشر عن أن يختاروا مصائرهم بأنفسهم، وفي النهاية يحاول أن يقنعك بأكبر كذبة في العالم. سأله الشاب مدهوشاً: وما هي إذن أكبر كذبة في العالم؟ - إليك هي: أننا في لحظة معينة من عمرنا نفقد السيطرة على حياتنا، ومن ثم يتحكم فيها القدر. تلك هي أكبر كذبة في العالم) (9). وكأن المفهوم الذي يقدمه "كويللو" هنا لفعل السحر لا يتجاوز مفهوم الدين، ولكن في كيانه الخالص المتخلص من إسقاطات البشر لمفاهيمهم القاصرة عنه، والتي يحاولون فرضها على غيرهم بدعوى الوصاية والهيمنة. كما يأتي هنا مفهوم دقيق ملتبس للوهلة الأولى، هو ذلك المتمثل في وجوب اعتماد المرء على إرادته الخاصة لتحقيق "أسطورته الذاتية" من جهة، ومن جهة أخرى في وجوب اتباع المرء للعلامات، وإخلاصه لحدسه دون تردد لنيل خلاصة ما خطته المقادير. إلا أن هذا الالتباس لا يلبث أن ينفك بالرجوع إلى التعريف السابق للسحر؛ فالمرء بإدراكه لقوانين الكون الباطنية يلقي بنفسه في خضمها، غير هياب من النزال ويخوض لُجّتها بكل تقلباتها، واثقاً من النتائج المقدرة سلفاً ولكنه في ذات الوقت يكون مزاولا لفعل إرادي، دفع به لاتخاذ القرار الذي أحجم عنه الكثيرون، الذين فقدوا من ثم ما كان من الممكن أن ينالوه من خارطة القدر – بائع الفشار كمثال – وبذلك ندرك الالتباس في لفظة "مكتوب"، التي يجب أن تكون قد وُلدْتَ عربياً لكي تدرك مغزاها. هذا التشابك يتعمق من خلال وصف شخصية الشيخ نفسها، والتي تحمل في طياتها ذات التناقض والتنوع والالتباس. فهو رث الهيئة الخارجية إلا أنه يرتدي درعاً من الذهب السميك أسفل ملابسه الرثة، وهو عربي الهيئة إلا أنه يصف نفسه بأنه "ملك سالم"، في إحالة صريحة لمدينة " سالم
" Salem
 الإنجليزية التي تعج بالساحرات وقرناء الشيطان في التراث الشعبي الإنجليزي، الذي انتقل إلى صياغات السينما العالمية. وهو يعلم عن الشاب ما جعله يتخذ قراره النهائي باعتزال رعي الغنم، استعداداً لخوض الرحلة، وفي ذات الوقت لا تمنعه حيازته للعلم والمال – الدرع الذهبي والمعرفة/ حجر الفلاسفة وشجرة المعرفة – من طلب نسبة العُشر في خراف الراعي كأجر للمساعدة .
5- ولكي يسوق "كويلهو" مزاوجته ما بين الدين والسحر إلى تحققها الأقصى، يورد رمزاً تتحقق فيه المعضلة التي تبدو استحالتها للوهلة الأولى؛ ألا وهو الدرع الذهبي الذي يرتديه الشيخ (كان العجوز يلبس درعاً من الذهب السميك المرصع كله بالأحجار الكريمة ... انتزع الشيخ من درعه حجراً أبيض وآخر أسود كانا في وسط الدرع، وقدمهما للشاب قائلاً: - خذ، هذان الحجران يسميان "أوريم" و" توميم"، الأسود يعني "نعم" والأبيض يعني "لا". عندما لا تصل أنت إلى الاستدلال بالعلامات فسوف يفيدان، ولكن اطرح عليهما دائما أسئلة محددة، واسعَ بوجه عام لأن تتخذ قراراتك بنفسك) (10). هنا مرة أخرى مزيج من اتباع العلامات واتخاذ القرارات، مزيج من السحر والدين، يحيلنا مباشرة إلى نظام العرافة الديني المزاول بواسطة كهنة اليهود عن طريق "درع هارون"، ففي "سِفر الخروج" نقرأ : (وتصنع صدرة قضاء. صنعة حائك حاذق كصنعة الرداء تصنعها. من ذهب وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص مبروم تصنعها. تكون مربعة مثنية طولها شبر وعرضها شبر. وترصع فيها ترصيع أحجار أربعة صفوف حجارة. صف عقيق أحمر وياقوت أصفر وزمرد الصف الأول. والصف الثاني بهرمان وياقوت أزرق وعقيق أبيض. والصف الثالث عين الهر ويشم وجمشت. والصف الرابع زبرجد وجزع ويشب. تكون مطوقة بذهب في ترصيعها. وتكون الحجارة على أسماء بني إسرائيل اثني عشر على أسمائهم. كنقش الخاتم على كل واحد على اسمه تكون للإثنى عشر سبطاً. وتصنع على الصدرة سلاسل مجدولة صنعة الضفر من ذهب نقي. وتصنع على الصدرة حلقتين من ذهب. وتجعل الحلقتين على طرفي الصدرة. وتجعل ضفيرتي الذهب في الحلقتين على طرفي الصدرة. وتجعل طرفي الضفيرتين الآخرين في الطوقين. وتجعلهما على كتفي الرداء إلى قدامه. وتصنع حلقتين من ذهب وتضعهما على طرفي الصدرة على حاشيتها التي إلى جهة الرداء من داخل. وتصنع حلقتين من ذهب. وتجعلهما على كتفي الرداء من أسفل قدامه عند وصله من فوق زنار الرداء. ويربطون الصدرة بحلقتين إلى حلقتي الرداء بخيط من أسمانجوني لتكون على زنار الرداء. ولا تنزع الصدرة عن الرداء . فيحمل هرون أسماء بني إسرائيل في صدرة القضاء على قلبه عند دخوله إلى القدس للتذكار أمام الرب دائماً. وتجعل في صدرة القضاء الأوريم والتميم لتكون على قلب هرون عند دخوله أمام الرب. فيحمل هرون قضاء بني إسرائيل على قلبه أمام الرب دائماً) (11). نحن هنا أما نفس "درع هارون" الذهبي بنفس ما يحتويه من حجري "أوريم" و"توميم". (وتعني كلمتي الأوريم والتميم، الأنوار و الكمال، إشارةً إلى نور الله سبحانه وتعالى وكماله اللذين يتجليان في الإرشاد الإلهي حين القرعة) (12). وتجدر الإشارة إلى أن الربط الأدبي بين التحولات الخيميائية و"درع هارون" في رائعة "ميلتون" [الفردوس المفقود]؛ حين ينشد: (فأما المعدن فيبدو بعضه من النضار وبعضه من اللجين الصافي/ وأما الحجر فمعظمه من الزمرد أو الزبرجد/ أو الياقوت أو الياقوت الأصفر وسائر الأحجار الإثنى عشر/ التي سطعت/ على درع (هارون). وكان ثم حجر آخر/ تخيله الناس كثيراً دون أن يروه في غير هذا المكان/ إنه الحجر أو قل إنه يشبه الحجر الذي عبثاً ما طلبه/ الفلاسفة وطويلاً ما بحثوا عنه على الأرض هنا/ دون طائل رغم علومهم و قدرتهم على تقييد/ الطيار ( هيرميس) وفك قيود (بروتيوس) القديم واستحضاره/ من السحر في شتى أشكاله/ وتقطيره في الإمبيق حتى يعود صورته الأولى/ و هل نعجب إذن إذا كانت الحقول والبقاع هنا/ تخرج زفراتها إكسيراً صافياً وتجري الأنهار/ بالذهب السائل إذا كانت لمسة مؤثرة واحدة / من الشمس رأس الكيمياء رغم بعدها الشاسع عنا/ تختلط بمياه الأرض فتبدع/ هنا في الظلمة كثيراً من الأشياء الثمينة) (13) . و يبسط العلاّمة الدكتور "محمد عناني" القول فيما يخص "درع هارون" وعلاقته بعلم المعادن القديمة بقوله: (.. وقد وردت في الكتاب المقدس ترجمة درع هارون "صدرة القضاء" (النص العربي)، ووردت في النصوص الإنجليزية بصور مختلفة منها: "درع للفصل في الأمور"، و"درع للحكم"، و"درع لتحديد إرادة الله"... أما الأحجار الكريمة المذكورة فهي جميعاً ترتبط بالشمس، في إطار النظرية السائدة آنذاك عن درجات المعادن وطبقاتها. وقد كانت لها دلالات صوفية، نابعة من وجود الأحجار نفسها في بوابة أورشليم الجديدة ...... حجر الأوريم المذكور في سفر الخروج 28/30 وقد تخيله الناس كثيراً في غير هذا المكان، لأنهم كانوا يقولون إنه هو نفسه حجر الفلاسفة. أما حجر التميم المذكور في نفس الآية فيقال إنه من الأحجار القمرية، التي يمكن أن تحول المعادن إلى فضة، بينما يستطيع حجر الأوريم في ظنهم تحويلها إلى ذهب لأنه شمسي) (14). هذان الحجران لعبا دوراً هاماً في تحولات الرحلة ذاتها حين سرقت أموال "سانتياجو" وكاد يعود أدراجه، فمنعاه حين استشارهما، كما كانا سبب توثيق علاقته بشاب إنجليزي مشتغل بالخيمياء، حين شاهدهما معه، ومن ثم صار رفيقه إلى مصر، موسعاً من مدى رؤيته لحقائق العالم وتعدد مستويات الرؤية الخاصة بها .
6- هذا الإنجليزي يعكس ما سبق وأسلفته عن الخلفية الخاصة بممارسة السحر في تاريخ "كويلهو" الشخصي، عن طريق علاقته بجماعة إنجليزية، كما يحيل إلى تاريخ طويل اشتهرت به إنجلترا في علاقتها بعوالم السحر، بدايةً من سحرة "السلت" وصولاً إلى مجتمعات السحر الحديثة في المدن الإنجليزية. هذا فضلاً عن هذا الشاب في سياق وصف "كويلهو" له يرسم بجلاء ملامح عامة من شخصية الكاتب نفسه، وبخاصةٍ في شغفه الجامح بعوالم الغيب، وسعيه الملحاح للفهم: (تركزت كل حياته وكل دراساته على البحث عن لغة واحدة يتكلمها العالم، وفي البدء انصب اهتمامه على لغة الاسبرانتو ثم على الأديان، وانتهى به المطاف إلى الخيمياء... غير أن الخيميائيين لا يفكرون إلا في أنفسهم، ودائماً ما يحجبون مساعدتهم. ومن يدري – لعلهم قد فشلوا في اكتشاف سر "العمل الكبير" – أي حجر الفلاسفة، وربما يكون هذا هو سبب اعتزالهم ملتزمين الصمت... اشترى أهم الأعمال عن الخيمياء وأندرها، واكتشف في واحد منها أن خيميائياً عربياً شهيراً زار أوربا قبل عدة سنوات، قيل إن عمره نيف على مائتي عام وإنه قد اكتشف حجر الفلاسفة و إكسير الحياة) (15). هذه الروح الحائرة الباحثة جاءت كخير ما تكون مراعاةً لمقتضى الحال في تلك المرحلة من الرحلة التي تتعاور النفس خلالها شتى صنوف الوساوس ودعاوى النفس بالنكوص والتراجع .
7- يأتي ذلك في نفس الوقت مقترناً بتفعيل مفهومي "إكسير الحياة" و"حجر الفلاسفة" المذكورين آنفا في توقيت دقيق يطابق ذروة الفعل الإكتشافي، والمعيد لترتيب ذرات الشخصية في آن، مما يستلزم [عملاً كبيراً] من شأنه توفير مناخ [السر الأعظم] الذي لا غنى عنه لنجاح عمل الخيميائي. (الإكسير هو أي عنصر وسيط كيميائي أو طبيعي يستطيع تحويل المعادن الدنيا إلى ذهب. وهذا ينطبق على حجر الفلاسفة، وكان الكيميائيون يحاولون جادين التوصل إلى إكسير طول العمر أو ما أسموه بالذهب السائل) (16). (ومن البدهي أن العملية الكيميائية لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب لا يمكن أن تتم إلا بوسيط. ومن هنا نشأ الاعتقاد في وجود حجر أطلق عليه حجر الفلاسفة يمكن بواسطة سحق جزء منه وإضافته إلى المعادن الرخيصة إجراء عملية التحويل، هذا طبعا مع تلاوة بعض التعاويذ السحرية. وربما ساعد على الاعتقاد بأن المصريين كانوا فعلا يقومون بعملية التحويل عن طريق حجر معين وجود الأحجار التي كان المصريون يقدسونها، وهي ما كانوا يطلقون عليه اسم "كيفي". ويقول "بلوتارك" أن الأحجار المقدسة كانت تتكون من عدة معادن: ذهب وفضة وشست ومافك [حجران، الأول أزرق والثاني أخضر]) (17) .
وبعد، لعل هذا العرض يكون قد أوفى بالغرض الذي هدفت إلى إثباته في مفتتح القول، والرامي إلى إثبات دور العناصر الطقسية السحرية في دفع عملية التطور في بناء الشخصيات  تدفق السرد في رواية "الخيميائي"، وفي بيان مدى استفادة "باولو كويلهو" من التراث الغيبي في سياقات شديدة التعقد والتراكب من أجل تحقيق صياغة لها فرادتها و جاذبيتها .
و للحديث بقية .

ياسر منجي
lucifer_yass@yahoo.com
القاهرة في 29/1/2005

الهوامش
1- باولو كويللو ، فيرونيكا تقرر أن تموت ، ترجمة ظبية خميس، روايات الهلال ، العدد 627 ، مصر ، 2001 ، ص 20 .
2- إبراهيم أسعد محمد ، نظرات في تاريخ السحر ، مطبعة الأمانة ، مصر ، 1976 ، ص 473 .
3- المرجع السابق ، ص 475 .
4- باولو كويللو ، ساحر الصحراء ، ترجمة بهاء طاهر ، روايات الهلال ، العدد 571 ، مصر ، 1996 ، ص 14 .
5- المرجع السابق ، ص 17 .
6- المرجع السابق ، ص 19 .
7- المرجع السابق ، ص 21 .
8- برنسلاو مالينوفسكي ، السحر و العلم و الدين عند الشعوب البدائية ، ترجمة فيليب عطية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ، 1995 ، ص 17 .
9- باولو كويللو ، ساحر الصحراء ، مرجع سابق ، ص 26 .
10- المرجع السابق ، ص 37 .
11- خروج 28/ 15-30 .
12- إبراهيم أسعد ، نظرات في تاريخ السحر ، مرجع سابق ، ص 344 .
13- جون ميلتون ، الفردوس المفقود ، ترجمه و قدم له و كتب حواشيه د.محمد عناني ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ، 2002 ، ص 215 ، 216 .
14- المرجع السابق ، ص 723 .
15- باولو كويللو ، ساحر الصحراء ، مرجع سابق ، ص 64 .
16- جون ميلتون ، الفردوس المفقود ، مرجع سابق ، ص 723 .
17- إبراهيم أسعد ، نظرات في تاريخ السحر ، مرجع سابق ، ص 476 ، 477 .

Wednesday, January 26, 2005

خطوط نقدية حمراء1

خطوط نقدية حمراء
(1) الحضور التراثي العربي في أعمال "باولو كويللو"
د. ياسر منجي
نُشِرَت للمرّة الأولى بصفحة "شيء من الأدب" بجريدة "القاهرة"، التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية. يناير 2005.


يورد "بن حجة الحموي" عن "أبي علي المحسن التنوخي" ما ذكره له "أبو الربيع سليمان بن داود" عن رجل أتلف ماله:
"فرأيت ليلة في منامي كأن قائلاً يقول لي غناك بمصر" (1).
وذهب إلى مصر فلم يجد ما يعينه حتى قبض عليه "الطائف" (الشرطي) ظاناً إياه لصاً...
"فبطحني وضربني مقارع" (2).
فقص عليه قصته وما رآه في المنام فأجابه:
"ما رأيت أحمق منك، والله لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم كأن رجلاً يقول لي: ببغداد في الشارع الفلاني في المحلة الفلانية.. فذكر داري واسمي.. وفيها بستان وفيه سدرة تحتها مدفون ثلاثون ألف دينار" (3).
ولم يلتفت الشرطي لهذا المنام. وعندما أطلقه ذهب ثانية نحو بغداد.
"فقلعت السدرة وأثرت مكانها فوجدت جراباً فيه ثلاثون ألف دينار" (4).
أي أن الرجل أخلص لمنامه فأوصله للكنز، في الوقت الذي اعتبر فيه الشرطي – الذي رأى نفس المنام – أن ذلك محض تخليط وأضغاث، مما أدى إلى استهانته به، ومن ثم إلى ضياع الكنز منه.
وفي قصة "الخيميائي" “The Alchemist“ للكاتب اللاتيني "باولو كويللو"، نقرأ في مفتتح القصة عن راع شاب يُدعى "سانتياجو"، يتكرر حلم بذاته في منامه، مما يدعوه لالتماس التفسير لدى عرافة غجرية حاكياً لها الآتي:
"- ظل الطفل يلهو مع الشياه فترة، ثم فجأة أخذ بيدي واقتادني حتى أهرام مصر.
سكت لحظة ليرى ما إذا كانت العجوز تعرف ما هي أهرام مصر، ولكنها ظلت على صمتها.
- ثم إنه هناك أمام أهرام مصر [ونطق الكلمتين الأخيرتين بوضوح تام ليتسنى للعجوز أن تفهم]، قال الصبي: لو جئت حتى هنا فستجد كنزاً مخبوءاً.
- وفي اللحظة التي كان يوشك فيها أن يدلني على موضع الكنز صحوت في كلتا المرتين) (5).
ويتوالى تدفق الأحداث التي يخوض خلالها "سانتياجو" غمار رحلته، مستهدياً بما ساقه إليه القدر من إرشادات تمثلت في تعاليم شخصية غامضة – من وجهة نظري هي معادل تشخيصي لمركب الإله/ الأب/ الوعي الأسمى – والذي يلفت نظره إلى وجوب الاتكاء كلياً على طاقة الحدس، مسترشداً بالعلامات التي خطتها يد القدر في صحيفة الكون، محدِّدة مساراً لكل منا تتحقق من خلاله أقصى تجلياته الوجودية إذا أخلص له واتبعه بيقين محض.
وفي نهاية الرحلة التي تسفر عن انكشاف السرمديات وانفتاح مغاليق المطلق والغامض أمام ناظرَي "سانتياجو"، وبعد أن يصل فعلاً إلى الأهرام، إذا به يقع في أسر عصابة من قطاع الطرق تساومه بحياته على الكنز المخبوء، فيحفر "سانتياجو" الأرض دون جدوى، بعد أن انهالوا عليه ضرباً وقتاً طويلاً حتى ظهرت أول أشعة الشمس وحتى أحس بدنو أجله.
"قال الزعيم لرفاقه: فلننصرف من هنا.
لكنه رجع إلى الشاب وقال له:
- لن تموت. ستعيش وستتعلم أن الإنسان يجب ألا يكون غبياً إلى هذا الحد. فمنذ قرابة عامين، وهنا بالضبط حيث ترقد أنت الآن، حلمت حلماً وتكرر. رأيت أنني يجب أن أذهب إلى أسبانيا وأن أفتش في الريف عن كنيسة محطمة، كثيراً ما يذهب الرعاة للمبيت فيها مع أغنامهم وتنمو في موضع هيكلها شجرة جميز، وهناك سأجد كنزاً مطموراً. لكني لست من الغباء بحيث أعبر الصحراء لأنني رأيت الحلم نفسه مرتين." (6).
وكانت الكنيسة المذكورة هي ذاتها التي كان يبيت بها "سانتياجو" في موطنه قبل الشروع في رحلته. ومن ثم يعود أدراجه إلى موطنه الأصلي ليحفر في الكنيسة.......
".. واستأنف الحفر. وبعد نصف ساعة اصطدم الجاروف بشيء صلب. وبعد ساعة كان أمامه صندوق ممتلئ حتى حافته بعملات ذهبية أسبانية قديمة، وكانت هناك أيضاً أحجار كريمة، وأقنعة ذهبية مرشوق فيها ريش أبيض وأحمر  وتماثيل حجرية صغيرة مرصعة بالماس..." (7).
وبإجراء شئ من التفكيك للنسق البنيوي للقصة العربية ورواية "باولو كويللو" نخرج بحصيلة تتمثل في الآتي:
1- كلا البطلين يتكرر بمنامهما حلم يلح على وجود كنز ما ينتظرهما لاحتيازه.
2- الحصول على الكنز في القصتين يستلزم خوض رحلة غير محددة المعالم.
3- كلتا الرحلتين إلى مصر تحديداً.
4- عند الوصول لموطن الكنز يقع البطلان - العربي التراثي واللاتيني المحدث - في قبضة غاشمة، إحداهما لشرطي والأخرى لعصابة من قطاع الطرق.
5- كلتا القبضتين توقعان عقاباً بدنياً مبرحاً بالبطلين.
6- يسفر تفتيش موطن الكنز في القصتين عن لا شئ.
7- يسخر الشرطي في القصة العربية من سذاجة البطل وإخلاصه الطفولي لحلمه، وهو نفس رد فعل زعيم العصابة تجاه "سانتياجو".
8- تقود السخرية بطريقة عرَضية في كلتا القصتين إلى بوح الشرطي/ رئيس العصابة بحلم مماثل يتكرر بشكل مماثل.
9- افتخار الشرطي وزعيم العصابة على البطلين بأنهما أكثر نضجاً منهما، ومن ثم فهما لا يلتفتان مثلهما إلى أمثال هذه الترهات.
10- ينتبه كلا البطلين إلى أن موطن الكنز في روايتي الشرطي وزعيم العصابة هو ذاته موطنهما الأصلي الذي خرجا منه سعياً وراء كنزهما/ الحلم.
11- تكون هذه المفارقة بمثابة إشارة التأكيد التي تلح على وعي البطلين كي يختتما فعل الرحلة في عودة دائرية إلى نقطتي انطلاقهما.
12- تسفر العودة المحملة بخبرات الرحلة/ الوعي الجديد إلى العثور على الكنز وتحقق فعل النبوءة.
   الغريب أن نفس التيمة المحركة لفعل السرد في العملين – العربي التراثي واللاتيني الحديث – تتكرر على نسق غيبي يمعن في تفعيل الكيانات السفلية الحارسة لعفاريت الكنوز، وذلك في العمل العربي الأشهر "ألف ليلة وليلة"، فنقرأ في حكاية "علي المصري والكنز في بغداد" – وهي الحكاية التي تستغرق الليلتين 431 و432 من ليالي شهرزاد – عن رجل يائس يرحل إلى بغداد على أثر كارثة، فيلتقي بمؤجر يعرض عليه المبيت في أحد البيوت التي يهيمن عليها، ويحذره أن أحدها مسكون بعفريت قاتل لم ينج من بطشه أحد من الذين باتوا ليلة واحدة فيه، فكانت هي الأخيرة في أعمارهم، فيلح عليه "علي" أن يكون هذا البيت - الذي أطلقوا عليه اسم "بيت الأموات" – هو مستقره في مبيته، وفي نيته أن يكون ذلك سبباً في موته ومن ثم خلاصه من عذاب نفسه، وخلال الليل يفاجأ بصوت يدعوه باسمه، فيجيب بنعم، فينزل إليه العفريت ويبدأ في فتح كنز عظيم كان (مرصوداً) على اسم "علي المصري"، فلا يفتح لغيره، ولما كان المساكين من الذين لقوا حتفهم في البيت قبلا لا يعلمون بقصة الرصد، وحتى لو علموا فلن يجديهم ذلك شيئاً، لكون أسمائهم مغايرة للمطلوب لفعل الانفراج والانفتاح والفكاك من الأسر لكل من صاحب الكنز والبيت المسكون والعفريت المسخر كالسجين للحراسة، لذا فقد كان على العفريت المسكين أن يظل حارساً خشناً لا يرحم حتى وقت مجيء صاحب الرصد.
وبرغم أن قصة الليالي هنا لا تمعن في التطابق مع "خيميائي" "باولو كويللو" كما فعلت أختها التي رواها "ابن حجة" عن "التنوخي"، والتي حللناها سلفاً، فإن قصة الليالي تنفرد هنا بفضاء خاص، يجعلها قادرة على التماهي مع واحدة من أظهر وأشهر التيمات التي يغزل "باولو كويللو" بمقتضاها  أعماله، وسياقاً من أهم السياقات المحركة للسرد في غالب قصصه، ألا وهو مفهوم "المكتوب" بمرجعيته الشرقية العربية.
فالعفريت هنا لا يمثل شراً محضاً في ذاته، بل هو محض أداة حارسة، يستدعي دورها الفريد الغريب أن تكون ممعنة في التطابق مع الهدف الأساسي لرصد الكنز - المكتوب والمقسوم لشخص بعينه - فلا فكاك هنا من أسر "المكتوب" لجميع الأطراف؛ فالعفريت رهين محبسه لا فكاك له إلا بتسليم الأمانة لصاحبها، ومن ثم استحقاقه لإطلاق سراحه، وفي محبسه هذا هو رهين "المكتوب" الذي شاءت إرادته أن يكون هذا الدور منوطاً بالعفريت.
والقتلى الذين لقوا حتفهم في المنزل المسكون هم أيضاً ضحايا "المكتوب"، الذي قد تبدوا إرادته عبثية في تجريعهم غصة الموت دون جريرة ارتكبوا ذنبها، ولكن رغم براءتهم إلا أن العقلية العربية الشرقية التي صاغت القصة، والمتلقي العربي الشرقي الذي يستقبلها على السواء، يتواطآن ضِمناً على وجوب أن يلقى هؤلاء مصرعهم، ليسير القص في مجراه وينفتح الكنز في النهاية مسفراً عن تفكيك كافة العقد التي تراكمت في بداية الحكي، والقتلى هنا بهذا المفهوم يتم تعويضهم على مستوى التعاطف الشعوري بوصفهم كيانات شهيدة "المكتوب".
و"علي المصري" أيضاً هو مثال نموذجي لقدرة "المكتوب" على صياغة مصير الفرد من النقيض إلى النقيض، دون أن يبدو ذلك شذوذاً على القاعدة التي تغلف بدورها مجمل الوجود الاجتماعي الشرقي.
تتكرر كلمة "مكتوب" في أعمال "باولو كويللو" على عدة مستويات، سواء بوصفها مفهوماً أساسياً قابعاً خلف مسار الأحداث، محركاً إياها طوال استمرار فعل القص، أو حتى على المستوى الظاهري الذي يتبدى في كتابة الكلمة أو نطقها بلفظها العربي على لسان أبطال قصصه، أو تتصاعد إلى حدودها القصوى لتصير عنواناً على عمل كامل من أعمال الكاتب نفسه.
"و أخيراً قال التاجر:
- مكتوب .
- ما معنى هذه الكلمة؟
- لابد وأن تكون قد وُلِدت عربياً لكي تفهمها، ترجمتها لا تعني شيئاً. تعني أنه شئ مدون.
وبينما كان يطفئ جمر النارجيلة قال للشاب إنه يستطيع أن يبدأ في تقديم الشاي للزبائن في أكواب الكريستال.
في بعض الأحيان يكون من المستحيل أن تسيطر على نهر الحياة ." (8).
"ولكن هذا الحدس الذي واتاه بعث في نفسه القلق. أيكون إذن في طريقه لأن يتعلم بدوره تلك اللغة الكونية الشهيرة، التي تعرف ماضي البشر جميعا وحاضرهم؟ كانت أمه تقول دائما "حدسي"، وبدأ يفهم أن لحظات الحدس هي غوص سريع للروح في تيار الحياة الكوني، الذي يترابط في طياته تاريخ البشر جميعاً بطريقة توحد الكل، بحيث نستطيع أن نعرف كل شئ لأن كل شئ مدون.
- مكتوب!
قالها وهو يفكر في تاجر الكريستال ." (9).
   وبعد، فإن استخدامي للفظ "انتحال" Plagiarism، هو من قبيل الاستخدام الأدبي، الذي يتعدى المعنى الاصطلاحي إلى فضاءات أخرى إيمائية، فأنا لا أعني بالطبع أن "باولو كويللو" قد انتحل القصة العربية، لأن ذلك يتعارض حتى مع المفهوم العلمي لمصطلح الانتحال كما هو متعارف عليه في حقوق الملكية الفكرية، وإنما قصدت أن أعمد إلى نوع من الإيقاظ الصاخب المشاكس، الذي يدعو إلى قراءة الإبداع المطروح على الساحة الدولية قراءة تحليلية رأسية، تسبر غور التاريخ البشري على اتساع ثقافاته، وتعي مواطن الكنوز المعرفية التي أفرزتها قرائح الشعوب، وتنتبه إلى ما تم من إعادة تدوير وتمثل واستلهام لهذه الروائع، حتى لا تغشى عيوننا تحت تأثير الكاريزما الطاغية للمبدعين الجدد، أو نظن أن إبداعهم من واردات سديم معرفي مجهول، فيوقعنا ذلك في أسر نمط الاستهلاك الثقافي الأفقي، الذي لا يتعدى دور المبهور السلبي القانع بتلقي ما يستجد.
الهدف الثاني الذي أحببت أن أنال شرفه هو أن كاتباً في مثل قامة "باولو كويللو" من شأن انتاجه الأدبي أن يستدعي جدلاً نقدياً وتذوقياً واسع النطاق – وهو ولا شك من سمات الأدب المتميز، خاصة إذا كان من النوع المغاير لما هو معتاد – لذلك فقد أحببت ورود عدة سياقات نقدية، تستدعي ردود أفعال قد يكون لي فيها شرف البداية في إلقاء الحجر الأول لتحريك سطح بحيرتها.
كما أزعم أن مثل هذه البداية قد تلفت النظر إلى بذل جهود أخرى، في سبيل دراسة ظواهر الاستلهام والتناص والتوازي والتماثل وإعادة الصياغة في الإنتاج الأدبي عبر تاريخ الأدب، وأشير هنا إلى جملة لافتة في هذا الصدد للأديب المصري "بهاء طاهر"، في سياق تقديمه لترجمته الخاصة لرواية "الخيميائي"، حيث يقول ما نصه:
"ثم إنني لم أنته أيضاً ‍‍
فأنا لا أستطيع أن أمنع نفسي في الختام من الإشارة – بكل تواضع – إلى أني قبل نشر الخيميائي بثلاث سنوات، نشرت قصة عنوانها "أنا الملك جئت" لم تترجم إلى أي لغة، وهي أيضاً رحلة بحث عن الذات في الصحراء، فكيف اتفق أن توجد – دون معرفة ولا لقاء – مواقف متطابقة في العملين، وفي بعض الأحيان نفس العبارات؟
سؤال أطرحه على روح العالم" (10).
ياسر منجي
القاهرة في 25/1/2005
الهوامش
1- ابن حجة الحموي ، ثمرات الأوراق في المحاضرات ، تحقيق محمد مفيد قميحة ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1983 ، ص 310 .
2- نفس الموضع .
3- نفس الموضع .
4- نفس الموضع .
5- باولو كويللو ، ساحر الصحراء ، ترجمة بهاء طاهر ، القاهرة ، مؤسسة دار الهلال ، العدد 571 ، ص 22 و 23 .
6- المرجع السابق ، ص 144 .
7- المرجع السابق ، ص 145 .
8- المرجع السابق ، ص 58 .
9- المرجع السابق ، ص 71 .
10- المرجع السابق ، ص 12 .
_____________________________________________________

Sunday, January 02, 2005


two of my prints Posted by Hello

two of my works Posted by Hello

My Akhnatun grand prize in printmaking , the 10th salon of youth Posted by Hello