سيرة منسية من ذاكرة الفن المصري

Saturday, August 04, 2007

رواية مولد سيدي بسيسة


خبر إدراج الرواية بالمكتبة الوطنية الاسترالية:
خبر إدراج الرواية بمكتبة جامعة ميتشجان:

افتتاحية الرواية

وُجِدَت العبارات الآتية مكتوبة بمداد أحمر، على رق مطوي ومحشور في شق بأحد الألواح الخشبية العتيقة السبعة، التي كانت تدعم سقف ضريح "سيدي بسيسة"، وذلك عقب هدم السقف القديم لاستبداله بآخر من الخرسانة المسلحة:

[،أما بعد
فهذه خلاصة مما تناهى إلينا ووقعنا عليه من تاريخ العارف الأكبر والكبريت الأحمر ومسك العلوم الأزفر، سيدي الشيخ "بسيسة" دفين "أرض الزغل".
وكنا قد تحصلنا على ترجمته بخط محسوبه وتلميذه وخادم ضريحه، [ساقط في الأصل]، غفر الله له  نفعه ببركة مخدومه آمين.
وعلى هامشه كتاب (الدرة النفيسة في مآثر مولاي بسيسة)، وأكثره ساقط للأسف، وأغلب ظننا أنه بفعل جهل الجاهلين وحسد الحاسدين.
ويليه كتاب (ما كان من أمر الدنيا وما يكون إلى يوم الوعد المكنون)، وهو درة فريدة في بابه؛ إذ حوى من المعارف التاريخية وأسرار سير الأولين والمتأخرين ما تعجز عن خطه أقلام العلماء الراسخين والأئمة الواصلين، والثابت لدينا أنه من قبيل الفتح اللدُنّي والإلهام الكشفي؛ إذ يعرف قارئه بمقتضاه ما حدث وما يحدث (إلى هنا و يتوقف القلم خشية الانزلاق إلى الكبائر بعد اللَمَم).
وقد رأينا أن نكتفي منه بما تيسرت لنا الإحاطة به، من بدء ولادة المكابد الصابر والمبتلى الشاكر، الشيخ "صادق بسيسة" الذي يكفيه شرفاً أن يكون اسمه مشتقاً من اسم مولانا الأكبر، وقد رأينا أن في ذلك الكفاية، من حيث إن كثيراً من أهل التصنيف وكُتّاب التواريخ كانوا قد سبقونا إلى تأريخ أحداث الدنيا منذ خلق "آدم" عليه السلام، وما كان من عصيانه وهبوطه إلى دار الفناء والبلاء، مرورا بتواريخ الأمم الغابرة وسير الأولين والصالحين، فلم نُرِد أن نكرر ما سبقنا إليه المتقدمون، ورأينا مبتغانا في أن نسوق للمتأخرين ما فيه العظة والمُزدَجر من تراجم المحدثين الذين نالتهم فيوض من بركة "سيدي بسيسة". ]

يلي ذلك تآكل في الرق واختلاط في المداد، على نحوٍ يصعب معه الحصول على معنى مترابط، فيما عدا سطر واحد أشار إلى مكان مجلد، زعم كاتب الرق أنه النسخة الوحيدة المتبقية التي سطرها آخر فرد من أفراد "آل بسيسة"، اعتماداً على ما تبقى في ذاكرته من سيرتهم، وما اطلع عليه في الكتب المذكورة سابقاً، قبل أن يحرقها خشية أن تقع في يد من لا يستحق.
وحين عثرنا على المجلد، وجدناه مغلفاً بغلاف عُنوِن بعنوان لأحد مصنفات التصوف، وموضوعاً ضمن الكتب العديدة المحيطة بقبر "سيدي بسيسة" المكسو بالحرير الأخضر.

عام 1896
1
تحسست "ستوتة" ملمس الطلاء الجيري المتشقق بأناملها المصبوغة بحناء بهت لونها. أخذت تمر بكفيها على الجدار الطيني المغطى بطبقة من الكلس المتآكل التي كشفت عنها شقوق الطلاء، لتبين حفراً وأخاديد ونتوءات تغزل وشماً عتيقاً على الحائط الخارجي لضريح "سيدي بسيسة".
كان الضريح يقبع متوحداً، محاطاً بفضاء شاسع من الأرض المنزرعة، التي لا يقطع استرسالها سوى خط مرتعش رمادي اللون، يرسم على استحياء هياكل البيوت الطينية شرقي البلد، يقابله من الغرب - وبنفس القدر من البعد الشاسع عن الضريح – نقاط بيضاء متراصة، تبدو لعين الغريب كتجمعات أبي قردان على رؤوس الحقول، بينما تتوجه إليها عيون أهل البلد، حين تَحِنُّ الذكرى للراحلين إلى غير رجعة، ويتدفق الوفاء على الألسنة مشفوعاً بقراءة الفاتحة.
المَعلَم الوحيد الذي ارتبط بضريح "سيدي بسيسة" واقترب منه، إلى درجة اعتباره جزءاً ممتداً من كيانه، كان بئر الساقية العتيقة، التي تقع على مرمى حجر من الضريح، و\التي توقفت منذ زمن غير معلوم عن ممارسة دورها الاعتيادي في سُقيا الأرض، متحولةً إلى سبيل موقوف على ضريح "سيدي بسيسة" وزواره، فاكتسبت مع الزمن لقب "ساقية سيدي بسيسة".
لم يكن أحد من أهل البلد يعلم متى بثني ضريح "سيدي بسيسة"، ولم يكن أحد يعلم من هو "سيدي بسيسة " على وجه التحقيق، وبرغم تعدد الأذهان المعمرة التي تحكي قصصاً عن أصل كل شيء في البلد، وبرغم الذخيرة الجاهزة دوماً لتفسير كل شيء في الكون – بداية من كيفية الخلق نفسها وانتهاءً بأسباب إنفاذ إيطاليا لمن ينوب عنها في عقد وفاق الصلح مع النجاشي "منيلك" على أثر الحروب الأخيرة – إلا أن الجميع قد عجزوا عن إبداء أية تفسيرات بشأن الأسباب التي دفعت الأجداد لتبجيل "سيدي بسيسة" على هذا النحو، وتنصيبه وَلِياً حامياً للبلد، وواسطة عقد لتخطيطها المعماري الدنيوي والأخروي، ومركزاً عتيداً لاستقبال شكاوى أهل البلد ومخاوفهم وآمالهم المشكوك بتحققها.
غاية ما يعرفه الجميع أن ضريح "سيدي بسيسة" هو مستقر أقوى الأسرار الروحية في زمام البلد والقرى المحيطة بها؛ إلى الحد الذي جعل من مولده السنوي موعداً منتظماً لالتقاء الآلاف من سكان البلد والوافدين عليها، حاملين نذوراً تعكس تباينات طبقية واسعة المدى. والأغلب أن هذه الأسرار الروحية هي ذاتها التي تسببت في منع حكماء البلد من تلفيق أية حكايات مكذوبة عن أصل "سيدي بسيسة" خوفاً من بطشه، مكتفين بالحكايات المتواترة عن معجزاته وكراماته التي خبرها الكثيرون على مر السنين، والأغلب أيضاً أنها هي السبب في عدم الاجتراء على تناول المبنى الصغير للضريح بالتعديل أو الإضافة – برغم سخاء النذور والهِبات – إلا في حالات الضرورة القصوى التي يفرضها تصدع واضح في أحد الجدران، أو انهيار أجزاء من القبة الخضراء بفعل توالي الشمس والأمطار، أو انهيار قمة بئر الساقية لأي سبب من الأسباب، فاقتصرت علامات السخاء على تكدس أفخر الأنواع من أوشحة الحرير الأخضر و الأبيض، التي تكسو القبر باديةً للعيان من شبابيك الضريح الأربع، محاطةً بعشرات المصاحف الفاخرة الواردة من رحلات الحج التي لا يستطيع سوى الأغنياء إليها سبيلاً، مسجلين امتنانهم بالعودة من الرحلة الخطيرة، التي كانت تتم على ظهور الجمال. إلا أن أفخر الذخائر التي تمتع بها ضريح "سيدي بسيسة" وأكثرها قداسة كانت قطعة صغيرة من كسوة الكعبة، قدمها "حيدر نامق باشا" حين أعيته الحيلة في شفاء الشلل الذي ألَمَّ بنصفه الأيسر، فنصحه البعض بزيارة "سيدي بسيسة" والنذر له والاغتسال من ماء الساقية. وبرغم وفاة "حيدر نامق باشا" بعد فترة وجيزة من زيارته لضريح "سيدي بسيسة"، إلا أن قطعة الكسوة المقدسة ظلت دليلاً دامغاً على تفوق "سيدي بسيسة" على أقرانه من أولياء القرى المجاورة، و مثاراً لفخر البلد، وعنواناً على قيمتها وثقلها الاعتباري بين هذه القرى.
طافت "ستوتة" بجدران الضريح وهي تواصل تحسس الملمس الجيري ذي الأخاديد، فأخذت تتداعى على ذهنها ذكريات طفولتها، حين كانت تداعب جدها الطاعن في السن، متحسسةً الأخاديد العميقة في تجاعيد وجهه، وهو يحكي لها قصصاً أسطورية عن كرامات و معجزات "سيدي بسيسة" التي جبرت خواطر المكسورين والحزانى.
كانت "ستوتة" وهي تطوف بالضريح ملتصقة بجداره المتآكل تتقلب في أحاسيس شتى من الجزع اليائس والأمل الواثق في كرامات الولي العتيد، ومع تكرار طوافها الملتصق بالبناء المتآكل، أتت عليها لحظة من الزمن غير محددة الطول، فقدت فيها اتصالها بكل ما يحيط بها من فضاء البلد الشاسع بمزروعاته الممتدة، فلم تعد تشعر بخفق الهواء في ثنايا حبَرَتها السوداء، ولا بصوت الحدأة التي تحوم قريباً في انتظار سنوح فرصة القنص. كل ما كانت تعيه حواس "ستوتة" هو ملمس الشقوق الطينية، وتوالي التغيرات في انحناء و بروز جدار الضريح، وتعاقب نوبات الأمل بخروجها إلى الجانب المضيء المواجه للشمس من الضريح، وانقضاض نوبات اليأس بدخولها في منطقة الظل بالجانب الآخر.
- والنبي يا "سيدي بسيسة"، وحياة مقامك الطاهر والنبي.... تجبر بخاطري وما تردنيش مكسورة.... والنبي يا "سيدي بسيسة" و النبي، حتة عيل يبرد ناري  يثبت قدمي في دار جوزي ويكسف عوازلي.
- والنبي يا "سيدي بسيسة"، وحياة الكسوة الطاهرة اللي مشرفة مقامك الطاهر... حتة عيل وأنا قابلة به ولو يكون فيه علة، كله حلو منك يا "سيدي بسيسة" ولو يكون أعمى ولو يكون أعرج.... والنبي يا "سيدي بسيسة".
- ورحمة النبي "محمد" يا "سيدي بسيسة" إن ربنا جبر بخاطري بولد لاسميه "بسيسة" على إسمك، واوهبه لخدمة القرآن والعلم الشرعي... والنبي يا "سيدي بسيسة".
صرخت الحدأة وهي تنقض على أحد جرذان الحقل. انتفضت "ستوتة" لترمق الحدأة وللحظة خاطفة خيل إليها أنها رسمت بامتداد جناحيها الخافقين شكلاً مصغراً لحَبَرتها السوداء، وتناهى إلى سمعها صرير عتيق من أخشاب الساقية، غير أنه بدا لدهشتها كما لو كان صادراً من داخل الضريح نفسه.
*******
مولد سيدي بسيسة
رواية
د. ياسر منجي
دار هلا للنشر و التوزيع
6 شارع الدكتور حجازي، الصحفيين – الجيزة – جمهورية مصر العربية.
تليفون: 33041421 (202)
فاكس: 33449139 (202)
الموقع الإلكتروني: http://www.halapublishing.net/
البريد الإلكتروني: hala@halapublishing.net
مدير التسويق: hazim@halapublishing.net

Moulid Sedi Bseesa
Yasser Mongy
Hala Publications
6 Dr. Higazi st, ElSahafieen, Giza, Cairo, Egypt.
Tel: (202) 33041421
Fax: (202) 33449139
Web:
http://www.halapublishing.net/
E-mail:
hala@halapublishing.neMarketing Director: hazim@halapublishing.net

Sunday, May 06, 2007

الذاكرة المفقودة - شطارة الأسطوات الأوائل في أعمال زكي مرسي






من المُعضلات الجسام، التي باتت تضرب ضرباً سرطانياً في بدن الكيان الفني المصري، تلك المعضلة الخاصة بمسألة الذاكرة التاريخية، وهي معضلة مركبة تنطوي على أكثر من وجه، وعلى أكثر من علة، وعلى أكثر من إرهاصة بنتائج كارثية، لو لم يتم تداركها على نحوٍ ملائم، يتَوَخَّى مقتضيات البحث العلمي التاريخي، ويستهدف رأب الصدع الخطير.
فمن الثابت أن هناك أبعاداً متعددة من جوانب تاريخ الفن المصري الحديث، لم تستوفِ حظها بعدُ من الاستقصاء والدراسة، بُغية البَتّ في شأنها، وأن هناك عديداً من فناني الجيل المصري الأول، لم يستوفوا حظهم من المتابعة والنقد وتسجيل الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى إلقاء ظلالٍ كثيفة على زوايا هامة ومِفصلية من منعطفات بداية القرن السابق، فباتت سراديب مهجورة تسيطر عليها التخمينات الراجفة، وتهيمن عليها الأحكام المُعَمَّمة.
وقد تواطأت عدة أسباب على إفراز مثل هذه العلة؛ على رأسها انعدام الكيان النقدي المتخصص في فترة التكوين المشار إليها في مطلع القرن السابق، مما أدى إلى اقتصار فعل النقد بمعناه الدقيق على نفرٍ من النقاد الغربيين والمُتَمَصِّرين، ومَن لَفّ لَفَّهم من الكُتّاب المصريين، المُرتَمين في أحضان النخبة الأرستقراطية، الذين كانوا يحتكرون منابر الكتابة الصحفية، المَعنِية بتتبع الحركة الوليدة، فضلاً عن احتكارهم أحيانا - أو مشاركتهم في احتكار - قنوات تنظيم العروض والفاعليات بمفهوم هذه الفترة. فلا غرابة إذا ما أتى الناتج النقدي - مع كثيرٍ من التساهل في إطلاق لفظة (نقدي) عليه - محتفياً بإنتاج الفنانين الأجانب المقيمين بمصر، ومُقَلِّديهم وصبيانهم من المصريين، مُغْفِلاً، على الجانب الآخر، كثيراً من أفراد الرعيل الأول، الذين اتجهت هِمَّتُهم إلى استثمار ما تعلموه من تقاليد الأكاديمية، في إبداع فن يدور في فلك الخصوصية المصرية، وينبش خلف سمات التميُّز الكامنة في طبقات الموروث الحضاري.
ومما ساعد على التمكين لتلك الأزمة على نحو أعمق، التفاف الذائقة الوطنية في تلك الفترة حول قامات مصرية، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة عدداً، على رأسهم "مختار" و"محمود سعيد"، لأسبابٍ عدة، أتى على رأسها اشتباك أعمالهما - خاصة الأول - مع السياق الوطني المشتعل خلال فترة ثورة 1919، وتماهيه مع شخصية الزعيم "سعد زغلول"، الأمر الذي كرَّس لمفهوم (زعماء الفن)، في مقابل (زعماء السياسة)، في إهالة لمزيدٍ من ركام النسيان على من عداهم، من أفراد الجيل الناهض في تلك الفترة، ممن لم يُقَيَّض لهم الارتفاع إلى سطح الحدث السياسي، أو الانتماء إلى طبقة نخبويّة، تُقَيِّض لهم ترف الاختيار والرفض، والتقلُّب بين بوهيمية العيش وأرستقراطية الثقافة، وارتداء المسوح الشعبية مع ضمان رغد العيش، مثلما كان الحال لدى "ناجي" و"محمود سعيد". وهو ما أدى إلى حتمية تراجيدية، تمثلت في خطين أساسيين، لا مهرب منهما لأبناء الظل، من مغبوني الحظ الفني للرعيل الأول: الخط الأول أتى في ضرورة الانصراف عن الشأن الفني برُمَّتِه، والسعي خلف لقمة العيش، واحتراف مهن لا علاقة لها بما سبق وأن خططوه لمستقبلهم الفني في فترة زهوة الأحلام. بينما تمثل الخط الثاني في تشبث شاعري أفلاطوني بالعشق الأول والأخير، ومتابعة الإنتاج في صمت، دونما أمل في الانتماء لدائرة الضوء، مع الاكتفاء بمتعة التجربة الفنية لِذاتِها لا لمكتسباتها، والبحث عن مصادر للدخل، مشتقّة من إمكانية توظيف المهارة الفنية لمقتضيات السوق التجارية.
وإلى ذلك الصنف من أصحاب الخط الثاني، انتمى الفنان الراحل "زكي مرسي عبد الرحمن" (1911 - 1985)، الذي وُلِد بحي الأزهر في بداية العقد الأول من القرن السابق.
ولنا أن نتخيل ما يمكن أن يطبعه الزخم الروحي، والمناخ الفني الإسلامي لهذا الحي العريق، في مطلع القرن المذكور، على موهبة فطرية، قررت أن تتلمَّس طريقها إلى دراسة الفن واحترافه، في مرحلة تاريخية تميزت بالنظر إلى الفن نظرة التوَجُّس والارتياب. وبالرغم من ذلك، فقد بدأ "زكي" تحديه الخاص، بأن التحق في سنة 1926، أي وهو في سِنّ الخامسة عشرة، بإحدى مدارس الرسم الخاصة، تلك التي كانت تديرها الجالية الإيطالية، والتي اشتهرت باسم "ليفورنو"؛ حيث استغرق عامين كاملين في دراسة فن التصوير، طبقاً لقواعد الأكاديمية الغربية، مما كان له أبلغ الأثر على صقل أدواته، وتميزه على نحوٍ ملحوظ، حينما انتقل إلى دراسته النظامية، بعد قرابة العامين، بمدرسة الفنون الجميلة، وتحديداً في عام 1928.
غير أن البداية الحقيقية لم تكد تتضح معالمها للفنان "زكي مرسي"، إلا حين اتجه بمبادرة شخصية منه، للمرة الثانية، لدراسة تقنيات فن الحفر والطباعة، على يد الفنان الإيطالي "كونشيولي"، بمعهد "ليوناردو دافنشي" في عام 1931، أي بعد مرور ثلاث سنوات على التحاقه بمدرسة الفنون وفي سن العشرين، مما يفصح عن تركيبة شخصية مبادِرة طموحة، لا تقنع بالمعتاد والمتاح من مصادر المعرفة الفنية، وتسعى دوماً للاستزادة بنهم من أرصدة الأسرار، لدى ذخائر المعلمين المحترفين على اختلاف مناهجهم وطرائقهم في التدريس.
وكان لابد لهذا التنوع التقني والمنهجي أن ينعكس على أعمال الفنان؛ والتي أتت على نحوٍ من الثراء والتنوع، قبل أن يتوافر لدى نظرائه من الفنانين، سواء من حيث تعدد الموضوعات التي تناولها بالمعالجة والدراسة، أو المجالات الفنية التي اقتحمها تصويراً ورسماً وحفراً، أو التقنيات التي خاض غمارها تجريباً وبحثاً، فضلاً عن غزارة في الإنتاج، جعلت من الصعوبة بمكان إجراء حصر دقيق لمجموع أعماله، التي أنتجها على مدار خمسين عاماً، هي فترة عمره الفني، ترك خلالها أكثر من مئة وخمسين ملصقاً (أفيشاً) سينمائياً، منفذة جميعها بتقنية الطباعة المسطحة بواسطة قوالب الحجر (الليثوغراف)، ينتمي معظمها لأواخر عقد الأربعينيات، وحتى منتصف عقد الستينيات من القرن المنصرم، وعدداً من الأعمال الفنية المحفوظة بالمتحف الزراعي بالقاهرة، بالمشاركة مع آخرين، فضلاً عن عددٍ ضخم من أعمال طباعة الشاشة الحريرية، التي عالج بها موضوعات مستلهمة من التاريخ المصري القديم، ناهيك عن مئات من الأعمال والدراسات والمشروعات غير المكتملة، في مجالات التصوير الزيتي والرسم والحفر، التي ظل مخلصاً لها حتى اعتزاله القسري عام 1980، بتأثير ضعف الحالة الصحية التي أعقبتها وفاته في عام 1985.
والصفة المميزة للفنان "زكي مرسي" تتمثل في فكرة (الاحتراف المتمكن)، بالمفهوم المصري الذي تدل عليه لفظة (الشطارة). ويمكن اعتباره، طبقاً لهذا المفهوم، (أسطى) من الأسطوات، الذين لا تنفصل لديهم خبرة المتعة الجمالية بالعمل الفني، عن مهارة الأداء وشمولية الإحاطة بأسرار الصنعة الفنية، وهو في ذلك ابن شرعي بكل المقاييس، لذلك الجيل الغابر من أسطوات الفن المصريين، الذين سبق للسلطان "سليم" اقتيادهم للآستانة، لاستغلالهم في تَوْشِيَتْها بتلك الحلة الباهرة من الرونق الفني، القائم على تقاليد عريقة من أسرار الأداء و شطارة الحرفة المصرية.
وحين نتناول بعض أعماله بالتأمل، لا نلبث أن يغمرنا ذلك الدفق الفوري من الإعجاب والدهشة، إزاء ذلك التمكن الأصيل من أصول الأداء، والفهم الراسخ لآجرومية التكوين الفني، والحبكة المهارية التي شرعها النهج الأكاديمي، مضافاً إليه ذلك الإخلاص العميق للهوية المصرية، والصدور عن إحساس جارف بخصوصية الميراث الحضاري؛ وهو ما نلمسه بوضوح في أحد أعماله المنفذة بتقنية الحفر بالأزميل على القالب المعدني - وهي واحدة من أصعب وأعقد تقنيات الحفر والطباعة، لما تتطلبه من مهارة شديدة في التلخيص والإيهام، وطرح القيم الظلية في مساحات متباينة، بالاعتماد على الخط فقط، فضلاً عما يكتنفها من مشقة الإرهاق خلال حفر المعدن يدوياً - حيث أتت معالجته للموضوع الشاعري، المستمد من الحياة الدينية بمصر القديمة؛ وذلك حين تتولى إحدى الغيد الحسان للمعبد مهمة إطعام ورعاية سرب كامل، من أسراب الطائر المقدس "إيبس"، ذلك الطائر الذي عُدَّ بمثابة أحد التحققات الشكلية للإله "تحوت"، رب المعرفة والسحر وكاتم أسرار الإله "رع". وتأمُّل العمل يفصح عن فهمٍ شامل للتداعيات المُرَكَّبة لهذا المشهد؛ فالإضاءة الغَسَقيّة المغبّشة بداخل بهو الأعمدة، تطرح جواً من الرهبة، التي تؤكدها نفثات البخور، ووشوشات النور الرفّافة في تضاعيف المشهد، والتي تتوجها نصاعة الغلالة الشفيفة، المحيطة بجذع حسناء "تحوت". ومن نافلة القول في هذا الصدد، أن نعرج على مسألة المهارة الشديدة، التي تفصح عن نفسها في قوة الرسم، والتمكن من تشريح الجسد الآدمي، فضلاً عن دقة تسجيل التنويعات المختلفة للطائر المصري المتفرد.
وفي تناوله لجانب من الحياة اليومية للمرأة المصرية، يتبدّى ذلك الجانب من حِرَفية التكوين الفني؛ وذلك حين يتم الإيهام بالبعد الزمني، لمشهد ملء الجرار بالماء، في حركة تتابعية هرمية، تحددها مساحات الإضاءة، مبتدئة بالخط المنحني لغطاء الرأس لمالئة الجرة، صعوداً نحو الجرة الممتلئة على رأس زميلتها المنتصبة، مروراً بالإضاءة التي تكتنف الرضيع الخجول، وهبوطاً وانتهاءً بالجانب المضيء من الجرة التي يجري ملؤها، في حركة دورانية متصلة، تضمن تحقيق الديناميكية، في مقابل الأوضاع السكونية الثابتة التي تتخذها شخوص الحدث.
وتتجلى المهارة التصويرية في فن البورتريه لدى الفنان، من خلال تأمل أحد أعماله، الذي يمثل - من وجهة نظري - "الجوكندا" الخاصة بـ"زكي مرسي"؛ وهو ذلك العمل الذي تطالعنا من خلاله إحدى جميلات الريف المصري، في فترة بكارته المهدرة، تحمل فوق رأسها ذلك البلاص العتيد المائل، الذي يعيد تأكيد الميل غير الملحوظ لكتفها الشاب. ومع غض النظر عن المَلَاحة الفطرية، والرواء اللَذَيْن يميزان هذا الوجه المصري الصريح، تأتي ضرورة الالتفات لوضع الفنان للموديل في منطقة (القاطع الذهبي)؛ تلك النسبة الهندسية الموروثة عبر تقاليد فنية وحضارية موغلة في القدم، وهي التي عُدَّت من بين النسب الجمالية، التي يضمن توزيع العناصر طبقاً لها، تحقيق إيقاع جمالي حتمي لبنية العمل الفني. كما تأتي ملحوظة تساوي خط الأرضية لمجموعة الفلاحين، والنورج، والأبقار في الخلفية، مع خط الكتف الأيسر للفلاحة، معيداً للأذهان ما سبق وأن حققه "ليوناردو دافنشي" بلوحة "الموناليزا"، من إيهام بالتوازن بين الخلفية والموديل؛ وذلك حين تعمد "دافنشي" رفع خط الأفق للخلفية بأحد جوانب اللوحة، إلى مستوىً أعلى من الجانب الآخر، حتى يعادل تفاوت ارتفاع الكتفين لدى "الجيوكندا".
هكذا كان "زكي مرسي"، وهكذا كانت أعماله، وهكذا كان كلاهما - الفنان والأعمال - نموذجاً مثالياً لعشرات الأسماء والقيم، المهدرة في تاريخ حركتنا الفنية المصرية، التي لمّا تكد تتم المئوية الأولى لها بعد.
هكذا حفل تاريخ الحركة بعشرات من المنسيين، والمهمشين، ومهضومي الحق، عمداً وسهواً، وكلاهما - العمد والسهو - حجَرَيْ الرَّحَى لمصائب الحركة الفنية المصرية.
وسواء أتت جهود كاتب هذه السطور بنتيجةٍ أو لم تأت - وهو الأقرب للظن - في التعريف بهؤلاء، وكشف الحُجُب عن مواطن إبداعهم، والمطالبة بحقوقهم الأدبية والتاريخية، وإعادة الحق إلى نصابه، فيكفيني شرفاً أن أنضم إلى ركب من آلوا على أنفسهم أن يصدحوا بأصواتهم صراخاً في بَرِّية الفن، عَلَّهم يصادفون من يسمع ومن يعي، ومن يبادر ولو بالقليل، في إنقاذ تراثٍ مهدر، وذاكرةٍ تضيع هباءً بالإهمال والتغافل.
ولكي تكتمل حلقة السخرية المريرة، والكوميديا السوداء، لمسيرة الذاكرة الفنية المفقودة في الواقع التشكيلي المصري، فإنكم حين تقرؤون هذه السطور، يكون تراث "زكي مرسي" بسبيله للاندثار؛ حيث تتعرض أصول أعماله الخاصة بالشاشة الحريرية بأكملها للضياع - وهي تُعَدُّ بالعشرات - نتيجة لعدم وجود مكان ملائم لاحتوائها، بعد أن يؤول مخزنها الحالي إلى مالك العقار، في ختام نزاع بينه وبين ورثة الفنان.
نداء لمن يهمه الأمر: ساهموا في رتق ثقوب الذاكرة الفنية المصرية، بادروا إلى استنقاذ جانبٍ من تاريخها المهدر. وإلا فلن يكون كل ما نمارسه باسم الفن، وباسم النقد، وباسم الإبداع، إلا زيفاً وتلفيقاً وخداعاً. وحينئذٍ لن يأمن أيٌ مِنّا أن تدور الدوائر، وتنقلب عجلة الحظ، ويطاله ضعف الذاكرة الفنية.
د. ياسر منجي
*نُشِرَت للمرة الأولى بتاريخ 6 مايو 2007، كما نُشِرَت بجريدة "بورتريه" في الشهر نفسه.