سيرة منسية من ذاكرة الفن المصري

Thursday, June 12, 2008

تداخل الأجناس الأدبية في السياق النقدي لدى نعيم عطية

مقدمة:
المتتبع لحركة النقد الأدبي الحديثة لابد و أن يلمس بجلاء اتجاها واضحا للجهود النظرية و الأكاديمية نحو تناول و تحليل تقنيات الصياغة التي يتبناها المبدعون في تشكيل نصوصهم، لا سيما تلك التقنيات التي تتلمس طرقا غير مألوفة من شأنها أن تصب في مصلحة كسر جمود القوالب الاعتيادية و الصياغات التقليدية. و في سياق هذا التوجه الحثيث يبدو أن تقنية من بين تلك التقنيات الصياغية قد بدأت في الاستئثار بالشطر الأعظم من الجهود المشار إليها، على نحو تكرست معه طروحات ضخمة بأكملها للكشف عنها و محاولة وضع قواعد جديدة لها بشكل لا يخلو من اجتهاد و مغامرة في غالب الأحيان – خاصة عندما يتعلق الأمر بالإبداعات الأدبية الخارجة من رحم المستجدات الرقمية و إفرازات الشبكة العنكبوتية(1) – و هي التقنية التي اتُفق على اعتماد مصطلح (تداخل الأجناس)(2) للتعبير عن تجلياتها في تشكيل هذا النوع من النصوص الأدبية المشار إليها قبلا، وهي تقنية تعتمد ببساطة على استثمار المبدع لكل إمكاناته الصياغية ليقدم نصه للمتلقي بأسلوب يكفل مفاجأته أحيانا و صدمه أحيانا أخرى بألوان من النصوص التي تم توليفها من أنواع و أجناس أدبية شتى؛ كأن يقوم الروائي بتضمين قصائد شعرية مطولة في بنائه السردي(3) أو أن يورد الشاعر قوالب قصصية مرسلة بداخل قصائده(4)، أو استثمار تقنية "البوليفونية" (تعدد الأصوات)؛ و ذلك عن طريق استثمار تقنيات السرد الروائي و الحوار المسرحي...الخ ضمن قالبه الشعري.
و يُعتبر هذا المدخل ضرورة لازمة للإلمام بمغزى البحث الحالي و الذي يتناول خصوصية الصياغة في السياق النقدي لدى الناقد الكبير الدكتور " نعيم عطية" (مواليد 1927) و الذي تنوعت جهوده على نحو لافت للانتباه لتغطي مجالات النقد الأدبي و التشكيلي إضافة إلى إسهاماته الخاصة في حقل الأدبيات القانونية من منطلق تخصصه – حيث حصل على ليسانس القانون عام 1948، فدكتوراة القانون عام 1964و متقلبا في المناصب القضائية حتى تقلد منصب نائب رئيس مجلس الدولة عام 1984 – فضلا عن اجتهاداته في صياغة البرامج الإذاعية بالبرنامج الثاني خلال حقبتي الخمسينيات و الستينيات، إلى جانب جهوده الترجمية – حيث أتقن اللغات الإنجليزية، الفرنسية، اليونانية – و هو ما تشهد عليه ترجمته الرائعة لقصائد الشاعر اليوناني "كفافيس"(5) و مواكبة كل ذلك بسلاسل مقالاته الضخمة التي تناول من خلالها شتى القضايا الثقافية، و هي المقالات التي تستحق من وجهة نظر الباحث اهتماما خاصا يتفرغ خلاله عدد من الباحثين لجمعها و تصنيفها بيبلوجرافيا و تخصيص دراسات موازية لها لما تمثله من ثروة بحثية جديرة برسم صورة مكثفة لحقبة كاملة من الثقافة المصرية في شتى المجالات.
و تجدر الإشارة هنا إلى أن الباحث ليس بصدد اعتساف رؤية مغالية في تناول المسألة الصياغية الخاصة بنصوص "نعيم عطية" في مجال الفن التشكيلي، بحيث يقحم عليها مقولات و نظريات نقدية مفارقة لظروف إفرازها في الوقت الذي أبدعها فيه كاتبها – خاصة بالنظر إلى حداثة هذه المقولات و تأخرها زمنيا عن كتابات نعيم عطية – و إنما يهدف الباحث إلى محاولة إسقاط بصيص من ضوء على فرادة نصوص "نعيم عطية" ذات الصلة بالشأن التشكيلي من خلال لفت الانتباه إلى خصوصيتها من حيث الصياغة و تقنيات السبك الأدبي التي اعتمدها مبدعها لتأتي على النحو الذي ميز الطرح النقدي التشكيلي لدى "نعيم عطية" و دمغه بعلامة فارقة غير منكورة إلى الحد الذي كرسه كطرح ذي منحى خاص بين طروحات القامات السامقة في مجال النقد التشكيلي.
كما يهدف البحث الحالي إلى إبراز دور المؤثرات الكبرى التي ساهمت في بلورة الأسلوب الصياغي لدى "نعيم عطية" على هذا النحو الذي رأى فيه الباحث نوعا من أنواع (تداخل الأجناس) – وفقا لمناخ زمن كتابتها بالنظر لكونها كتابات سابقة زمنيا لجهود مبدعي هذا المنحى من الأدب – و كذلك تبيان أثر الثقافة الموسوعية لدى "نعيم عطية" في إكساب كتاباته النقدية التشكيلية طابعها المميز سواء على مستوى الشكل و الصياغة – (تداخل الأجناس) كما يراها الباحث – أو على مستوى المضمون الذي تميز بمقاربات نقدية تتميز بقدر كبير من الدماثة و حيادية التناول.
موسوعية الثقافة و زمن القانونيين المفوهين:
من الثابت أن المشتغلين بالشأن القانوني على اختلاف مواقعهم يرتبطون ارتباطا وثيقا بفنون اللغة و أساليب الكتابة إلى الحد الذي كفل اشتهار أمثلة عديدة من نماذج كتاباتهم التي كانت مخصصة بالأساس لأغراض الصياغة القانونية و خروجها إلى حيز الروائع الأدبية التي تتداول بين متذوقي الأدب و عشاق فنونه، بل و إلى حد التقاط أفراد المجتمع لعديد من التعبيرات و الصياغات الواردة ضمن نصوص تلك الأدبيات القانونية ليتم ترديدها و اعتمادها بمثابة أقوال سيارة، و لعل أبرز مثال في هذا الصدد القول المشهور الذي يستشهد به البعض أحيانا و القائل: (تلك تهمة لا أنفيها و شرف لا أدعيه) و التي ربما لا يعرف البعض أنها من إبداع قريحة الزعيم الوطني "سعد زغلول" – و هو القانوني العتيد – و التي وردت ضمن خطبة له صاغها لتكون بمثابة عريضة دفاع حين وجه له المعتمد البريطاني تهمة إثارة الرأي العام و تحريض الناس على مناوأة الاحتلال البريطاني.
و لم تكن تلك الصلة الوثيقة بين القانون و الأدب وليدة عهد قريب، بل إنها تضرب بعيدا في تاريخ كل من الأدب و القانون معا إلى حد المزج بينهما أحيانا؛ و ذلك لعلة منطقية تتمثل في اعتماد جانب كبير من الخطابات القانونية دفاعية الطابع – دفاعات المحامين خاصة – على سلاح التأثير النفسي بما يتطلبه من وجوب الإلمام بفنون البلاغة و تقنيات التأثير في عموم المستمعين، هذا فضلا عن حاجة المشرعين و واضعي القوانين إلى التمتع بالحد الأقصى من القدرة البلاغية و الإلمام بفنون اللغة و معاني مفرداتها القاموسية و الاصطلاحية لضمان صياغة القوانين على نحو صارم من الدقة و الوضوح و كفالة عدم اللبس في المفردات أو تأويل العبارات القانونية من قبل المتلاعبين بالألفاظ كيما يتمتع القانون بسيادته على النحو الأوفى، و يحفل تاريخ العالم بعشرات من الأمثلة التي تؤكد تلك العلاقة الوثيقة؛ فهناك "صولون" الذي انتخب حاكما لأثينا عام 592 ق.م و الذي كان شاعرا و خطيبا بليغا و في ذات الوقت أبا للتشريع اليوناني إلى الحد الذي نقشت معه شرائعه على لوحات مثلثة تدور على محور وتم وضعها في الرواق الملكي حيث كان يجلس الحاكم والملك للقضاء ويقسمون جميعاً بأن يتقيدوا بها.
و لم يكن التاريخ المصري في مجالي الأدب و القانون غريبا عن تأثير هذه الصلة، بل لعله أن يكون من أغزر التواريخ تمتعا بالأمثلة الساطعة في هذا السياق، و لكي لا نخرج عن موضوع البحث الأساسي يكفي أن أعرض لمثالين حديثين نوعا ما اشتهرا بوصفهما علمين من أعلام البلاغة الأدبية و الفقه القانوني معا في أواخر القرن التاسع عشر و النصف الأول من القرن العشرين، و كان لكل منهما تأثير بالغ على أجيال القانونيين التالية لهما زمنيا و منها جيل "نعيم عطية"؛ ألا و هما "أحمد فتحي زغلول" (1863 – 1914)(6) و "إبراهيم الهلباوي" (1858 – 1940)(7).
و ربما يكون من المفيد هنا أن نشير إلى المشابهة الشكلية لممارسة النقد التطبيقي بممارسة العمل القضائي، بما يشمله ذلك في كل منهما من وجوب إطلاق أحكام معيارية صادرة عن قناعة كل من الناقد و القاضي بما اطمأنت إليه نفس كل منهما من مواقف نهائية تجاه كل من العمل الفني و القضية محل النظر في ضوء محددات و أسس قياسية تنبع لدى الناقد من الإطار العام لمذهبه النقدي و لدى القاضي من نصوص التشريع الذي يحيل إليه قضيته المنظورة. بل إن المشابهة بين العمليتين النقدية و القضائية قد تتعدى إلى ما هو أكثر عمقا من هذا المستوى؛ و ذلك حين ينحو كل من القاضي و الناقد نحو التحرر من صرامة القوالب الشكلية الجامدة لكل من نظريات النقد و نصوص القانون الحرفية و يعمدان إلى إجراء تكييفات إبداعية لأحكامهما وفقا لخصوصية الحالة المنظورة من قبلهما حين تتمتع بفرادة أو ظروف خاصة تحتم التعامل معها وفقا لما يسمى ب(روح القانون) لدى القضاة، و هو ما يتوفر لدى الناقد حين يلفي نفسه بإزاء عمل فني ذي طرح محرض على التناول المرن خارج إطار المقولات و النظريات المعدة سلفا، مما ينتج في النهاية نصا نقديا إبداعيا بدوره يكرس لمقولة (الإبداع النقدي الموازي للإبداع البصري)، و لكن لا يخفى أن هذا المستوى من التحرر الإبداعي في ممارسة العمليتين القضائية و النقدية يتطلب بالدرجة الأولى مرونة ذهنية و موسوعية قد لا تتاح لكثيرين من المعنيين بالمجالين؛ و هو ما يتمتع به "نعيم عطية" و يظهر من خلال مثالين شهيرين في تاريخه على المستويين القضائي و النقدي: ففي كتابه (نساء في المحاكم)(8) نلمس بعدا إنسانيا بالغا في تناوله الأدبي لنماذج من قضايا المرأة التي سبق و أن أصدر فيها أحكاما قضائية بنفسه، على نحو يوضح بجلاء جانبه الإنساني الذي لم يفارقه حتى في أدق شؤون العمل القضائي و أكثرها مساسا بالمصائر الإنسانية، و كذلك حين يوضح بدماثة بالغة سر عزوفه عن تناول كثير من أعمال الفنانين التي لا تتفق و ذوقه الشخصي بالنقد؛ حيث يقول: "قد يكون العيب في أنا!! فلماذا أزيد الفنان هما و تعاسة؟ كفى أنه تكبد مشقة العمل إلى أن أخرجه في صورته النهائية"(9).
و بالمحصلة فإنه يمكن القول بكثير من الاطمئنان أن رصانة العبارة و سلامة البناء اللغوي لدى "نعيم عطية" إنما تدين بشطر عظيم من ثرائها إلى تقلبه في مناصب العمل القضائي و توفره على دراسة أدبيات الفقه القانوني و تمرسه بأعباء الصياغة التشريعية، الأمر الذي كفل لأسلوبه بعامة التحلي بقسط وافر من سمات البيان البلاغي العربي قبل أن تغير عليها مستجدات الهُجنة و السقامة التي باتت تستشري في بنيان الخطاب النقدي على نحو يهبط به أحيانا إلى وهدة الخطاب العامي المرسل على عواهنه.
النقد الأدبي و الإفصاح عن المنهج:
في كثير من مصنفاته الأدبية التي تصب في خدمة نظرية النقد الأدبي و إلقاء الضوء على مذاهب الكتابة و مدارسها المختلفة يفصح "نعيم عطية" بشكل أو بآخر عن صميم منهاجه النقدي و نظرته الشخصية للمسألة الإبداعية على اتساعها؛ الأمر الذي يمكن معه تتبع الإطار الفكري العام لمقارباته النقدية بعامة، و من ثم الخلوص إلى إطاره النقدي التشكيلي الذي يدور البحث الحالي حول أحد تجلياته المتمثلة في الصياغة الأدبية لنصوصه النقدية وفقا لمقولة (تداخل الأجناس) المقترحة هنا؛ ففي كتابه (مسرح العبث: مفهومه – جذوره – أعلامه)(10) ترد فقرة غاية في الأهمية، تكشف من وجهة نظر الباحث عن مستويات عدة داخل الإطار النقدي العام ل"نعيم عطية"، على رأسها وعيه الشخصي بدرجة من الدرجات لانفتاح الأجناس الفنية على بعضها البعض؛ ألا وهي الفقرة التي يقرر فيها ما يلي:
"إن دراسة مسرح العبث أو مسرح اللامعقول توصلنا إلى التعرف بعدد من الكتاب الطليعيين الذين ليسوا دعاة جديد لذات الجديد و حبا في الظهور بل إن مسرح العبث يتضمن عددا من المسلمات التليدة في تاريخ الأدب و الفن و يرتكن إلى كثير من التجارب الطليعية التي سبقته في عقول أخرى مجاورة مثل الشعر و التصوير و الرواية"(11).
فالفقرة في ختامها تكشف عن وعيه و إدراكه لمسألة تآزر الأجناس الإبداعية و تأثير كل منها على الآخر إلى الحد الذي دفعه إلى تسويغ إبداعات كتاب مسرح اللامعقول بكونها ترتكن إلى أمثلة سابقة في المجالات الثلاثة التي ذكرها – الشعر و التصوير و الرواية – و لنتأمل سويا تعبيره (عقول أخرى) الذي وصف به المجالات الثلاثة السابقة؛ فهو تعبير يضمر فيما يضمر إيمانا مطلقا بأسبقية العملية الذهنية في صياغة مقولات الإبداع أيا كانت وسائطها – شفاهية/الشعر أو بصرية/التصوير أو سردية مدونة/الرواية – و الذي يكشف أيضا من خلال فعل المؤازرة و الارتكان الذي يبرر به كل وسيط منهم تجارب الوسائط الأخرى عن إيمانه بانفتاح الوسائط و الأجناس الفنية على بعضها البعض كروافد داعمة في خدمة العملية الإبداعية ككل.
ثم يسترسل في ذات الفقرة قائلا: "و لا يعني الاهتمام بمسرح العبث التقليل من قيمة المدارس و التيارات الأخرى سواء المعاصرة له أو السابقة له، فما زال مسرح العبث مسرحا تجريبيا. و لا يمكن أن نحدد ما إذا كان سيتحول من مسرح يضايق الجمهور إلى مسرح يتهافت عليه الجمهور و لا إذا ما كانت بعض مكتشفاته الطريفة سواء في اللغة أو الأداء أو رسم الشخصيات سيقدر لها أن تثري التراث المسرحي العام أم أنها ستبقى مكتشفات عابرة ما تلبث أن تهجر و يطويها النسيان"(12).
إنها و لا شك جملة لافتة تمثل دليلا ساطعا على سماحة في الرؤية كفلتها عقلية موسوعية مطلعة على مذاهب الفن و الأدب على اتساعها سواء منها التقليدي أو المستحدث، إلى الحد الذي كفل لها ألا تعلي من شأن أحدها على الآخر، و هو موقف يستأهل توقفا خاصا بإزاءه؛ حيث تنبع أهميته من كونه موقفا استثنائيا لناقد مبرز في الساحة العربية التي تعاني دوما من احتقان في العلاقات المتبادلة بين دعاة المذاهب النقدية المختلفة إلى درجة قيام الكثرة الغالبة منهم بالانتقاص من شأن المذاهب التي يرونها مضادة للمذاهب التي ينافحون عنها، و من ثم القيام بشجب و إقصاء أي عمل فني يكرس انحيازا للمذهب المضاد، و هي ذاتها السماحة التي قيضت لصاحبها ألا يتعجل في إطلاق أحكام تنبؤية متعجلة – شأن كثير من النقاد – لاستباق نتائج التجارب الإبداعية المستحدثة، كما أنه توضح التفاته إلى أهمية عدم التعويل على مقياس الإقبال الجماهيري كمعيار نقدي لتقييم عوامل الأصالة و الديمومة.
ثم تتكشف رؤيته الخاصة للعملية النقدية و إيمانه المطلق بأهمية العمل الشاق و الاطلاع المستمر للناقد كيما يطور من أدواته و يظل على صلة بمستجدات العصر بما يخدم منهاجه النقدي؛ و ذلك حين يقول: "إن مسرحيات بيكيت و يونيسكو و جينيه و آداموف كثيرا ما ترفض بحجة أنها غير مفهومة. لكن سبب ذلك هو عدم الألفة مع الجديد و الحاجة الملحة إلى قسط أكبر من المحبة و محاولة الفهم لتقبل الاتجاهات الحديثة. و بدون هذه المحبة و محاولة الفهم تظل الهوة سحيقة بين النقاد الرجعيين و الأعمال الطليعية. على أن النقاد الرجعيين يجدون أنفسهم في النهاية قد خسروا المعركة بسبب تحجر أدواتهم و جمود معاييرهم و نكوصهم عن المتابعة و إصرارهم على الرفض بلا ترو. لهذا فقد رأينا أن نكرس اهتماما أكبر لتوضيح كيف يمكن أن نتذوق مسرحية من هذا القبيل"(13).
إن تلك السماحة التي اختار لها "نعيم عطية" تعبير (المحبة) إنما هي مدار مقارباته النقدية على الإطلاق، و هو حين ينعى على النقاد الذين أسماهم ب(الرجعيين) تقاعسهم دون التطور و الانفتاح على الجديد إنما يكرس في ختام جملته لقضية مسؤولية الناقد التي تملي عليه توجها للأخذ بيد عموم المتلقين نحو تلمس مواطن الإبداع التي ربما تخفى عليهم بحكم إيغال الفنون الحديثة في مغامرات التطوير الشكلي، و هو بهذا يؤكد من جهة دور النقد بوصفه خطابا وسيطا كفيلا بردم الهوة بين نزوات الإبداع و تحفظات التلقي، و من جهة أخرى يفضح سلوك التعالي غير المبرر لكثير من ذوي الأصوات النقدية الذين لا يرون في المتلقي إلا مستقبلا سلبيا مطالب طوال الوقت بالإذعان غير المبرر و لا المشروط لمقولاتهم الفوقية، دونما تفكير من قبل أصحاب تلك الأصوات النقدية لبذل جهد و لو ضئيل لردم الهوة بين المبدع و متلقي إبداعه.
تداخل الأجناس و روافد الترجمة:
إذا كان التمرس بالشأن القانوني قد كفل ل"نعيم عطية" حيازة القسط الأوفى من أفانين الكلم العربي الرصين، و إذا كانت ثقافته الموسوعية و اشتغاله بأغراض النقد الأدبي قد أتاحا له رؤية بانورامية للمشهد الثقافي العالمي على اتساعه، فضلا عن صياغتهما للإطار العام لمذهبه النقدي القائم أساسا على قيم التسامح الثقافي و بذل الجهد لرأب الصدوع الناشئة عن تعصب الرؤية و النفور من المجهول و المخالف للمألوف، فلا جدال في أن إلمام "نعيم عطية" بلغات ثلاث هي الإنجليزية و الفرنسية و اليونانية إلماما وثيقا – إلى درجة ترجمة روائع الأدب و أسفار النظريات النقدية منها إلى العربية – قد ساهم في إكسابه ميزة قلما تتوافر لغير الذين كابدوا مشاق الترجمة، لا سيما حين يتعلق الأمر بمصنفات الإبداع و نصوص الأدب؛ فمن المعروف لدى المشتغلين بالشأن الترجمي أن تفاوت اللغات في أساليب البلاغة و اختلافها في أسس الصياغة الأدبية و قواعد السبك الكلامي يجعل لكل منها جماليات خاصة على مستوى الصياغة لا يستشعرها عادة سوى الناطقين بتلك اللغات و الذين يحيون ثقافتها و يعون اختصاراتها و إيماءاتها و أساليب الترميز المعنوي لألفاظها، و ربما يكون المثال الأشهر في هذا الصدد متمثلا في ترجمة الشعر، فمن المعروف أن ترجمة القصائد من لغة لأخرى يتسبب – فضلا عن فقدان الإيقاع الموسيقي الأصلي المتولد من ألفاظ اللغة الأم – إلى إشكاليات شتى قد يكون أخطرها ماثلا في تغير و إهدار كثير من المقاصد الرمزية للألفاظ الأصلية و التراكيب الناشئة عن علاقاتها في الجمل الأصلية حين يتم استبدالها بألفاظ مرادفة في اللغة المترجم إليها.
و تقود تلك المفارقة عادة إلى وقوع الملمين بأكثر من لغة في موقف شديد الدقة و الخصوصية؛ فهم من جهة قد تمتعوا بميزة إدراك جماليات النصوص الأصلية في لغاتها الأم، فضلا عن تمتعهم بعملية صياغة النص المترجم وفق جماليات اللغة المترجم إليها على نحو قد يصل أحيانا إلى درجة الإبداع الموازي للنص الأصلي – و ربما تكون (رباعيات الخيام) المصوغة شعرا بواسطة "أحمد رامي" نقلا عن الأصل الفارسي أشهر الأمثلة في هذا الصدد على المستوى المصري – و من ناحية أخرى تتسبب إحاطتهم الإدراكية بجماليات و رموز النص الأصلي في توليد مشاعر القلق و الإخفاق أحيانا ليقينهم باستحالة المطابقة التامة بينه و بين النص المترجم، الأمر الذي يعمق من وعيهم الحاد بمسألة اتساع الصياغة النصية لتقبُل عناصر شتى قد تصل إلى درجة التباين من الأساليب و التراكيب، و هو لا شك أحد تجليات (تداخل الأجناس) و إن يكن على المستوى الإدراكي.
السمعي و النصي و البصري في تناوله لسير الفنانين:
إذا كان النص الأدبي في سيرورته التاريخية قد تقلب عبر حقب ثلاث هي: (الشفاهية) و (التدوينية) و (التفاعلية)؛ و التي تمثلت أولاهن في التداول الشفاهي و السمعي للنص الأدبي اعتمادا على حفظه بالذاكرة، بينما تمثلت وسطاهن في تداول النص و حفظه تدوينا و نسخا و طباعة و اعتماد المخطوطة و الكتاب و مشتقات الوسائط المادية الصالح للتدوين و النقش كحوامل و حوافظ للنص، وصولا إلى ثالثتهن – التفاعلية – التي تجلى النص الأدبي خلالها عبر الكيان الرقمي للحاسب الإلكتروني بإمكاناته البصرية و السمعية و النصية اللانهائية، فإن حضورا موازيا للسمات السمعية و النصية و البصرية يمكن استشعاره بوضوح في نصوص "نعيم عطية" و مصنفاته التي تناول من خلالها سير حياة عدد من الفنانين التشكيليين ذوي الشأن في تاريخ الفن العالمي(14)، و التي نهج في صياغتها نهجا شديد الخصوصية مزج خلاله بين أجناس المقال الأدبي و أدب تراجم الشخصيات، أو ما يعرف بأدب (السيرة الغيرية/بيوجرافي)(15) و قالب الحوار المسرحي للخروج بنص مغاير و كاسر للمألوف في هذا الصدد.
هذا، و سوف يعتمد البحث هنا بالدرجة الأولى على كتابه (خمسة رسامين كبار) الذي ألفه عام 1968 و الذي يعتبره الباحث نموذجا قياسيا في هذا الصدد؛ نظرا لوضوح تداخل الأجناس السابق ذكرها في بنائه السياقي، مع وجوب الإشارة لتطابق منهاجه الصياغي في هذا الكتاب مع كتاب آخر تال له زمنيا هو كتاب (دنيا هذا الفنان) الصادر عام 1988 إي بعد مرور عشرين عاما على صدور الكتاب الأول؛ مما يرسخ لفكرة استمرار ظاهرة (تداخل الأجناس) في الخطاب النقدي لديه. و قبل تناول تقنية التداخل الأجناسي لدى "نعيم عطية" في النموذج المذكور يود الباحث أن يلفت النظر إلى ملحوظة غاية في الأهمية – و هي التي تكررت أيضا في كتابه التالي زمنيا (دنيا هذا الفنان) – و هي الملحوظة المتعلقة باختياره لشخوص الفنانين الخمسة الواردين في الكتاب؛ فباستعراضهم يتبين جمعه لكل من: "بيتر برويجل" البلجيكي (1525 – 1569) و "هونوريه دومييه" الفرنسي (1808 – 1879) و "هنري دي تولوز لوتريك" الفرنسي (1864 – 1901) إلى جوار "إدفار مونش" النرويجي (1863 – 1944) و "باول كلي" سويسري الأصل و الألماني الجنسية (1879 – 1940)، فالملحوظة هنا لا تتعلق فقط باختلاف جنسيات الفنانين المذكورين و لا بالوقوف الظاهري عند التفاوت الزمني بين اثنين منهم – "برويجل" و "دومييه" – و الباقين، و إنما تتعلق بالأساس بمسألة التفاوت الأسلوبي و الفروق المذهبية التي كان كل منهم يصدُر في إبداعه عن مقولاتها و وفقا لشروطاتها الجمالية و الفلسفية الخاصة، و هو ما يظهر بجلاء حين نتأمل أسلوب "برويجل" الساخر بنهجه القروي البسيط الذي سبق و أن تشبع بفلسفة سلفه "هيرونيموس بوش" (1450 – 1516) ذات الحس السوداوي المُعلن دوما إدانته لخطايا البشر مُبرزا حماقاتهم مُقارنة بأسلوب "دومييه" النقدي اللاذع و الذي استطاعت عبقريته أن تزاوج ما بين مقولات النهج الرومانتيكي و ضرورات الخطاب السياسي المُعارض. ثم تتأكد الملحوظة حين يتلوهما في الترتيب "لوتريك" بانطباعيته المصبوغة بروحه الانفعالية المأزومة و الرازحة تحت نير إعاقته الجسدية، ثم "مونش" بتعبيريته العصابية النابعة من تكوينه النفسي و العقلي و الاجتماعي شديد الخصوصية، و أخيرا "كلي" برصانته البنائية و ثقله الفلسفي الذي كفلته موسوعيته التي رسخت لمكانته في النصف الأول من القرن الماضي. و هي ذاتها الملحوظة التي أكد "نعيم عطية" بتكرارها في كتابه (دنيا هذا الفنان) أنه يتناول هذا المنحى من الصياغة النصية عامدا إلى تنويع اختياراته بشكل قصدي يتوخى التنوع في أساليب الفنانين؛ و ذلك حين يجمع بين كل من "رمبرانت" الهولندي (1606 – 1669) و "كوربيه" الفرنسي (1819 – 1877) و "ديجا" الفرنسي (1834 – 1917) و "أوروزكو" المكسيكي (1883 – 1949) و "دالي" الأسباني (1904 – 1989) بحقبهم الزمنية المتفاوتة و أساليبهم المترجمة عن مناهج "الباروك" و "الواقعية" و "الانطباعية" و "الواقعية الاشتراكية" و "السريالية" على الترتيب. فهو نهج قصدي في الاختيار يفصح عن سعة في الرؤية و انفتاح نقدي لا يعبأ بالحدود المنهجية الظاهرية التي يتم بموجبها تصنيف أساليب و مدارس الفن بقدر ما يعنيها في المقام الأول تقديم رؤى متجانسة من وجهة نظر صاحبها، تكفل لقارئ النص أن يخلُص إلى إحساس عام بالأهمية البالغة التي تلعبها كل شخصية من شخصيات هؤلاء الفنانين بوصفها حلقة تطورية مفصلية في تاريخ الفن، و كذا بعمق التجربة الحياتية التي عاشها كل منهم و ثراء نموذجه النفسي الكامن خلف ظواهر إبداعه. ثم تأتي ملحوظة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها؛ تلك التي تتعلق بتسمية الكتاب (خمسة رسامين كبار)، فاختياره هنا لكلمة (رسامين) كبديل لفظي عن (فنانين) – كلفظ أشمل – أو (مصورين) – من منطلق تخصصهم في الشأن التصويري – تطرح دلالة هامة؛ فبرغم تنوع نتاج كل من هؤلاء الفنانين في الوسائط الأخرى – "برويجل" في التصوير و الحفر – "دومييه" في الليثوغراف و النحت – "لوتريك" في التصوير و الليثوغراف – "مونش" في الحفر و التصوير – "كلي" في التصوير و الحفر فضلا عن جهوده التنظيرية – إلا أن تحديد "نعيم عطية" لجماليات الرسم كعلامة دالة ضمن عنوان الكتاب يكشف عن نظرة ثاقبة؛ حيث يشترك الخمسة فعلا في سيادة العنصر الخطي كأساس قِيَمي لجماليات الأعمال لدى كل منهم، كما يشتركون في بروز قيمة المهارة الأدائية في صياغة الأعمال على نحو تبرز معه الجماليات البصرية اللالونية – فضلا عن براعتهم كملونين – و هي القيمة التي اقترح لها الدكتور "ثروت عكاشة" مصطلح (الرَسامة) في بعض مؤلفاته(16). و يرى الباحث أن ذلك الاختيار اللفظي يعكس – إلى جانب النظرة النقدية الثاقبة ل"عطية" و التي قيضت له استخلاص العامل المشترك لدى الفنانين المذكورين – مقدرة صياغية كفلت للنص ككل أن يتمتع بصفة الوحدة العضوية؛ فمن المسلم به أن عنوان النص يلعب دورا لا يستهان به في تشكيل الموقف المبدئي للقارئ حيال هذا النص قبل اشتباكه معه في جدلية القراءة، و بذلك يكون "عطية" قد أفلح عن طريق هذه الإيمائة العنوانية البسيطة في الإيعاز للقارئ بالمشترك العام بين خمسة من الفنانين المنتمين إلى حقب و جنسيات و مذاهب متباينة.
و عند تناول كتاب (خمسة رسامين كبار) بشيء من التأمل لطريقة الصياغة النصية يتبين أنه يبدأ بمقدمة قصيرة التي تعرض فيها لظروف اقتحامه لمجال النقد التشكيلي، يليها ثبت بالمراجع التي استقى منها مادة الكتاب، ثم النص الأساسي للكتاب و الذي اعتمد له صياغة فريدة تمثلت في إيراد نبذة تعريفية عامة عن أهم المعلومات المتعلقة بالفنان يليها نص إبداعي يمكن إدراجه في قالب النص المسرحي، يسبقه عادة تعريف بالشخصيات – فيما عدا "برويجل" – خاتما القوالب الخمسة بتضمين مجموعة من الصور التي تبين جانبا من إبداع كل منهم.
و هنا قد تساهم عبارة الإهداء الواردة في بداية الكتاب في إلقاء الضوء على سبب صياغة النص وفق تقنية (تداخل الأجناس)؛ حيث نقرأ: "إلى عشاق الفنون.. أصدقائي في البرنامج الثاني بإذاعة القاهرة..."(17)، و هي صلة انعقدت بينه و بين الوسيط الإذاعي في تلك الفترة عندما ساهم في الإعداد و الكتابة لبرامج الفنون للإذاعة و التليفزيون، و كأن تجربته مع الإمكانات السمعية للوسيط الإذاعي كانت ماثلة في ذهنه حين اختار أن يفرغ صياغته للنص في قالب الحوار المسرحي، و هي صيغة صالحة دون شك للاستفادة منها فيما بعد في إبداع قطع تمثيلية سواء بالإذاعة أو التليفزيون أو المسرح، و بذلك يتكرس حضور الوسيط الأول (السمعي) ضمن نص الكتاب في صياغته متداخلة الأجناس.
و حين نتطرق إلى الوسيط الثاني (النصي) في صياغة "نعيم عطية" للكتاب المذكور فلابد و أن يتم الالتفات إلى مسألة من الأهمية بمكان؛ هي مسألة حدود تصرف المبدع للنص فيما يتعلق بسيرة الشخصية التي يتولى إفراغها في قوالب غير جامدة لا تتشبث بثوابت و قواعد أدب تراجم الشخصيات أو السيرة الغَيرية المشار إليها قبلا، و هي التي وضح الناقد المغربي "صدوق نور الدين" اشتباكاتها بقوله: "وقد تتمظهر الترجمة الذاتية في الصورة التي تأتي عليها السيرة الذاتية أو (الرواية)، لولا أن مهمة الإنجاز الإبداعي يتفرد بها شخص لا علاقة له بهذه الحياة. إن الترجمة الذاتية هي قصة حياة، أقول إنها السيرة الغيرية لا الذاتية، السيرة التي تختار من ينجز مسؤولية تدوينها، سواء بصدد شخص لا يزال على قيد الحياة، أو من آل إلى الانتهاء واستمدت تفاصيل حياته من كتبه، ومما روي عنه وتدوول شفويا في حقه، وهو ما نلفيه في (معجم الأدباء) مثلا، أو فيما كتبه "عباس محمود العقاد" بخصوص (العبقريات)"(18). فكيف تعامل "نعيم عطية" مع المواد العلمية الخاصة بسير هؤلاء الفنانين و التي سبق و أن استقاها من مصادر بلغات شتى؟ و ما هي حدود تخطيه أو التزامه لمقتضيات التأريخ الحرفي وفقا لضرورات قالبه الحواري المسرحي في وسيطه (النصي)؟
يتكفل هو نفسه بمهمة الشرح و التوضيح حين يقول في المقدمة: "و إذ أسائل نفسي عن حدود دوري كوسيط بين هذه الرؤى و بين قارئي، لا أجد أنسب من دور المخرج، فأنا أحرك شخوصي، و أنطقهم بالكلام، و أعد ديكورا مناسبا، و أوزع الأضواء، و أتحكم في الإيقاع، و أقدم للقارئ في النهاية حياة هؤلاء المصورين على الورق. و أنا كالمخرج لا أغير في النص، و لا سلطان لي على الواقع إلا بالتوجيه. كل ما لي هو أن أستخدم الكلمة، و هي وسيلتي الوحيدة، في عرض النص الدرامي الذي كتبه هؤلاء الفنانين الشجعان بدمائهم و أنفاسهم و أعصابهم طوال حياتهم الحافلة"(19).
و دون تكرار لما سبق، من خلال عبارته الشارحة للجوانب النصية في صياغته متداخلة الأجناس يتبين بجلاء إلمامه بالوسائط المتباينة التي ينبغي إشراكها في مثل هذه النصوص – بصرية و سمعية و نصية و إيقاعية – و تحديده لدور المخرج ليكون مكافئا لدور مبدع النص متداخل الأجناس للتعبير عن خصوصية العملية التوليفية لدى كل منهما.
أما العامل (البصري) فبرغم تأثره بظروف الطباعة أحادية اللون التي كانت سائدة في فترة طباعة الكتاب – 1968 – مما أهدر قيمة العامل اللوني للأعمال التصويرية الواردة في الصور، إلا أنه ساهم من جهة أخرى في تأكيد قيمة العنصر الخطي، العنصر الرئيسي في فن الرسم الذي سبق و أن أعلاه كعنوان لإبداعات هؤلاء الفنانين.
غير أن تجميع الصور في نهاية الكتاب قد تسبب على نحو آخر في الانتقاص من قيمة الوحدة العضوية التي تتطلبها صياغة مثل هذا النوع من النصوص (متداخلة الأجناس)، و التي تستدعي إشراكا و استحضارا للصورة ضمن بنية النص و تبادلها إيقاعيا مع النص المكتوب.
خاتمة:
إن فرادة الصياغة اللغوية في كتابات "نعيم عطية" ذات الصلة بالشأن التشكيلي تطرح مثالا ساطعا لقدرة النص النقدي على التجلي في قوالب غير اعتيادية يصح اعتباره معها ضربا من ضروب الإبداع الفني المستقل بصرف النظر عن محتواها المعرفي المتعلق بالإبداع البصري الموازي الذي استدعى صياغة ذلك النص النقدي لتلبية المقاصد النقدية المتعارف عليها.
و نصوص "نعيم عطية" و إن كانت سابقة زمنيا لمقولات (تداخل الأجناس) الحديثة نسبيا إلا أنها تتمتع بقسط غير منكور من سمات النصوص متداخلة الأجناس مع الأخذ في الاعتبار الفارق الأساسي المتمثل في عدم اعتماده على الكمبيوتر كوسيط لصياغة النص كما عليه حال مبدعي نصوص الأدب الرقمي و التفاعلي.
و على كافة المستويات لا نملك سوى الاحتفاء ب"نعيم عطية" تسليما بمكانته كقامة موسوعية نجحت في فرض نسقها الخاص و وضع بصمتها غير المنكورة على وجه المشهد الثقافي العربي بعامة.
التوصيات:
يوصي الباحث بأهمية الالتفات لضرورة تصدي عدد من الباحثين من المتخصصين في الآداب و الفنون و نظرية النقد لمهمة جمع و تبويب مجموعة المقالات المتناثرة في الصحف و المجلات العربية ل"نعيم عطية" لتصنيفها بيبلوجرافيا و تخصيص دراسات موازية لها، و ذلك لما تمثله من ثروة بحثية جديرة برسم صورة مكثفة لحقبة كاملة من الثقافة المصرية في شتى المجالات.
د/ ياسر منجي

الهوامش و الإحالات:
(1) في هذا السياق أود أن أشير إلى آخر المستجدات التي باتت تشغل الساحة النقدية حديثا في مجال تناول ضرب من ضروب النصوص المعاصرة؛ ألا و هي النصوص التي تُعرف حاليا باسم (النصوص التفاعلية)، و هي التي تتم كتابتها و صياغتها من خلال جهاز الحاسب لكي يتم طرحها من خلاله أيضا على المتلقي سواء اتصل بشبكة الإنترنت أم لم يتصل – باستخدام وسائط أخرى كالأقراص المدمجة مثلا – و التي يتحقق فيها شرط تداخل عدد من الوسائط و الأجناس الأخرى كالصور الثابتة و المتحركة و الأصوات و الموسيقى... الخ، و التي يمكن للمتلقي أن يتفاعل معها عن طريق الضغط و النقر على مواضع معينة تحيله إلى تنويعات شتى من النصوص و الإمكانيات الأخرى. و في هذا الصدد استقر نقاد الأدب على أن التجربة الأولى التي دشنت لمثل هذا النوع من النصوص عربيا في مجال الشعر كانت للشاعر العراقي "مشتاق عباس معن"، انظر الموقع التالي للاطلاع على قصيدته التفاعلية:
http://www.alnakhlahwaaljeeran.com/aalan-000000-dwain.htm
أما في مجال الرواية التفاعلية العربية فقد استقر الرأي على اعتبار رواية "صقيع" للكاتب "محمد سناجلة" الرواية الأولى في هذا السياق، و هي التي يمكن الاطلاع عليها من خلال الرابط التالي:
http://www.arab-ewriters.com/?action=ShowWriter&&id=243
و انظر أيضا للباحث مقاله عن تداخل الأنواع الفنية من خلال مقال (الفنون في عصر الصورة الإلكترونية) على الرابط التالي:
http://www.arab-ewriters.com/?action=ShowItem&&id=3701
(2) لمزيد من التوسع بخصوص تداخل الأجناس يمكن الرجوع إلى "رينيه ويلك" في كتابه (نظرية الأدب) ترجمة محي الدين صبحي – مطبعة خالد الطرابيشي 1972، و كذلك "صالح هويدي" في كتابه (النقد الأدبي الحديث، قضاياه و مناهجه) منشورات جامعة السابع من إبريل، ليبيا 1998.
(3) و في هذا الصدد ينبغي الالتفات إلى ريادة "نجيب محفوظ" في روايته (الحرافيش) التي حوت ضمن بنيتها السردية مجموعات شعرية فارسية مكتوبة بحروف عربية تم توظيفها على نحو بارع كفل إضفاء البعد الغيبي على عالم شخوص الرواية.
و قد توسع "جمعة اللامي" في هذا المنحى إلى حد أن الشطر الأعظم من روايته (مجنون زينب) قد صيغ صياغة شعرية.
و يبدو أن هذا الالتفات من قبل النظرية لمثل هذه النصوص قد ولد إشكالية على مستوى التصنيف حتى لنصوص قديمة نسبيا؛ و من ذلك إقرار عدد من النقاد بصعوبة تصنيف كتاب (المعذبون في الأرض) للدكتور "طه حسين".
(4) كأمثلة على ذلك: قصيدة (الأرض الخراب) للشاعر "ت. إس. إليوت"، قصائد "بدر شاكر السياب" خلال مرضه الأخير، قصيدة (نشيد أوروك) ل"عدنان الصائغ" و أيضا معظم أشعار "سعدي يوسف".
كما كانت للظاهرة المذكورة أمثلة قوية على مستوى الشعر العربي القديم؛ مثلا قصة "دارة جلجل" عند "امرئ القيس" قصة "الثور" في شعر "أبي ذؤيب الهذلي"، وقصة "الذئب" في شعر "البحتري" و كذلك قصة "الأسد" في شعر كل من "البحتري" و"المتنبي"، أنظر "عبد الله الغذامي" في كتابه (المشاكلة و الاختلاف)، المركز الثقافي العربي 1994.
(5) انظر: نعيم عطية، ديوان كفافيس شاعر الإسكندرية، دار سعاد الصباح 1993.
(6) هو الشقيق الأصغر للزعيم المصري "سعد زغلول"، وكان "أحمد فتحي" من رجال القانون والقضاء، ورواد الترجمة في مصر، بجانب اهتماماته السياسية والتعليمية والصحفية.
كان اسمه في الأصل "فتح الله صبري" شارك في الثورة العرابية وكان من خطباء هذه الثورة، وعندما فشلت واحتل الإنجليز مصر رفت من المدرسة بقرار من وزير المعارف، فقام بتغيير اسمه والتحق بمدرسة الألسن عام 1883م، وسافر في تلك السنة لدراسة القانون في أوربا، وعاد في سنة 1887م حيث عين في القضاء وتدرج في مناصبه حتى أصبح رئيسا لمحكمة مصر.
ربطته علاقة قوية باللورد "كرومر" -المعتمد السامي البريطاني في مصر- وشارك كقاض في محكمة دنشواي سنة 1906م التي قضت بإعدام عدد من الفلاحين أمام أهليهم؛ وهو ما هز الوجدان الشعبي المصري، وكان هو الذي صاغ حيثيات الحكم، وكان لهذه الحادثة المؤلمة أثرها القاتم على تاريخه وسيرته وأعماله، وإذا ذكر اسمه اقترن بما ارتكبه في دنشواي.
لم تكن تربطه علاقة جيدة بأخيه سعد، ترجع إلى عوامل الغيرة والتنافس، وكان يرى أن أخاه سبب في الحيلولة دون ترقيه إلى الوزارة، وكان يعتقد أنه يتمتع بمواهب وقدرات تفوق سعدا، وقد أورد سعد في مذكراته جانبا من شخصية أخيه.
كان أحمد فتحي زغلول من رواد حركة الترجمة في مصر، وكان يرى أن حركة الترجمة تسبق حركة التأليف في نهضة الأمة المصرية، وكان يتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية بجانب امتلاكه ناصية اللغة العربية.
ومن أعماله الكبرى في الترجمة "سر تقدم الإنجليز السكسون" لادمون ديمولان، و"سر تطور الأمم "لجوستاف لوبون، و"روح الاجتماع" لجوستاف لوبون، و"أصول الشرائع" لجيرمي نبتام، إضافة إلى تأليفه لبعض الكتب مثل "المحاماة" و"شرح القانون المدني" و"الآثار الفتحية".
ساهم مع أحمد لطفي السيد في إنشاء جريدة "الجريدة"، وكان عضوا مؤسسا في "الجمعية الخيرية الإسلامية، وساهم في وضع نظم المعاهد الدينية الأزهرية.
(7) وصفه "العقاد" بقوله: "كان ذا ذلاقة لسان لا تطيق نفسها و لا تريح صاحبها" و وصفه معاصروه بأنه كان ذا مقدرة بلاغية استثنائية مكنته من التنقل كيفما شاء بين فنون الفصحى و العامية على نحو يجعل من يستمع إليه مشدوها و مأخوذا ببلاغته الآسرة.
و بالرغم من حب المصريين له إلا أنه ارتكب ذنبا لا يغتفر حين وقف في جانب الاحتلال البريطاني ممثلا للادعاء ضد أهالي "دنشواي" مما تسبب في صدور الحكم الشهير بإعدام و جلد شهداء الحادث – الغريب أن إصدار الحكم جاء من قبل "احمد فتحي زغلول" – مما لطخ تاريخه بالعار حتى وفاته، و لهذا السبب قال فيه الشيخ "عبد العزيز البشري" قولته المشهورة: "... عاش مدى عمره يحبه ناس أشد الحب و يبغضه ناس أشد البغض، إلا أن هؤلاء و هؤلاء لا يسعهم جميعا إلا التسليم بأنه رجل عبقري"، أنظر (مذكرات إبراهيم الهلباوي: تاريخ حياته) تحقيق عصام ضياء الدين، تقديم عبد العظيم رمضان.
(8) صادر عن دار المعارف بالقاهرة عام 1980.
(9) انظر السيرة الذاتية له على موقع قطاع الفنون التشكيلية من خلال الرابط التالي:
http://www.fineart.gov.eg/Arb/CV/print_my_cv.asp?IDS=2084
(10) صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2005.
(11) المرجع السابق ص 3.
(12) نفس الموضع.
(13) المرجع السابق ص 3، 4.
(14) أهمها كتبه الثلاثة: (من رواد الفن الحديث) الصادر عن الدار القومية للطباعة و النشر عام 1965 و (خمسة رسامين كبار) الصادر عن دار الكاتب العربي للطباعة و النشر عام 1968 و (دنيا هذا الفنان) الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1988
(15) هي السِيَر التي يصوغها الكاتب عن آخرين غيره، و الذين يكونون عادة من الشخصيات العامة و التاريخية و هي بذلك تختلف عن أدب (السيرة الذاتية/ أوتوبيوجرافي) و أدب (سِيَر القديسين/هاجيوجرافي) المعروف في الغرب، الباحث.
(16) راجع ثروت عكاشة، فنون عصر النهضة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(17) نعيم عطية، خمسة رسامين كبار، مرجع سابق، ص2.
(18) صدوق نور الدين، سير المفكرين الذاتية، المركز الثقافي العربي 2000، ص 15.
(19) نعيم عطية، خمسة رسامين كبارن مرجع سابق، ص 6،5.
قائمة المراجع:
1- ثروت عكاشة، فنون عصر النهضة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
2- رينيه ويلك، نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي، مطبعة خالد الطرابيشي 1972.
3- صالح هويدي، النقد الأدبي الحديث، قضاياه و مناهجه، منشورات جامعة السابع من إبريل، ليبيا 1998.
4- صدوق نور الدين، سير المفكرين الذاتية، المركز الثقافي العربي 2000
5- عبد الله الغذامي، المشاكلة و الاختلاف، المركز الثقافي العربي 1994.
6- مذكرات إبراهيم الهلباوي: تاريخ حياته، تحقيق عصام ضياء الدين، تقديم عبد العظيم رمضان.
7- نعيم عطية، ديوان كفافيس شاعر الإسكندرية، دار سعاد الصباح 1993.
8- نعيم عطية، نساء في المحاكم، دار المعارف، 1980.
9- نعيم عطية، مسرح العبث: مفهومه – جذوره – أعلامه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005.
10- نعيم عطية، خمسة رسامين كبار، دار الكاتب العربي للطباعة و النشر، 1968
11- نعيم عطية، دنيا هذا الفنان، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1988.

1 comment:

amera.photoshop said...

niceeeee work
and gooood words
i`ve read your book ( قوى الجسم الخفية ) part 1 and 2
and read about this paranormal world
i love it veeeeeeeeeryyy much so i think to do my graduation project at this topic
im astudent at fine arts faculty of alex at graphic department
and i realllllly want Communication
with you becouse i want understand some things at your book>
my e-mail : amera_alialex@yahoo.com
reallllllllllllllllly i hope to add me .